السبت، 28 ديسمبر 2024

مقهى صغير

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

لطالما آمنتُ أنَّه عندما تكون برفقة إنسان لطيف، فإن أي مكان يصبح مقهى.

في زاوية ما من هذا العالم، بعيدًا عن صخب المدن وضوضاء الزمن، يجلس مكان اسمه "المقهى الصغير". لا يحمل من الأبهة سوى تواضعه، ولا يعجّ بالحشود إلا بأرواح مرت من هنا وتركَت بصمتها في الهواء. طاولاته الخشبية، المُعتّقة ببصمات الأقداح، تحكي عن لحظات توقّفت فيها الحياة قليلاً، لتُمنح مساحةً للهدوء، للتأمل، ولتخفيف حمل الأيام.

هذا المقهى أشبه بقلب قديم، حضن صامت يفتح ذراعيه لكل من يدخل، ينبض على إيقاع الحياة الهادئة؛ بسيط، لكنه يحمل تعقيدًا عذبًا في كل تفاصيله. صوت الملعقة وهي تصافح الفنجان أشبه بموسيقى خافتة تُخبرك بأنك لست وحدك، وأن ثمة نظامًا في فوضى العالم. الضوء الخافت الذي يغمر المكان يُشبه غروبًا أزليًا، يهمس لك بأن هذه اللحظة تليق بك.

 في هذا المقهى، الحزن ليس نِدًا، بل رفيق يعرف كيف يجلس بصمت إلى جانبك إلى أن يرتقي ليصبح شجنًا. هو الشجن الذي يذكرك بأنك عِشْت، بَسمْت ودَمعْت، وبأنك خسرتْ وأحيانًا ربحتْ، وأن الحياة ليست سوى فُسيفساء من تلك اللحظات. 

ربما ما يجعل المقهى مكانًا فريدًا؛ أنه يسمح لك بأن تشعر بكل ذلك دون أن يحكم عليك.

الوحدة في المقهى عودة إلى الذات. هنا، تتحاور مع انعكاسك في سطح القهوة، البخار الذي يتلاشى كأنما يُذكرك بأن الألم أيضًا عابر، وأن الحياة، بكل ما فيها، تستحق أن تُعاش.

القهوة هنا هي الحكاية. لونها الداكن يشبه أعماقك؛ غامض ومليء بالحياة. مرارتها عزاء، ودفؤها وعد بأنك ستنهض مجددًا، حتى لو لم تعرف متى أو كيف.

المقهى الصغير، مثل فنجان قهوتك، يحمل تناقضات جميلة. فيه من الفرح بقدر ما فيه من الحزن، هو المكان الذي تتحول فيه الابتسامات العابرة إلى طيور، والضحكات الخافتة إلى أغانٍ غير مكتملة. ترى الطفل الذي يضحك على شيء بسيط كأنه يذكرنا بأن الفرح لا يحتاج إلى أسباب معقدة.

المقهى الصغير أيضًا وطن صغير للروح. هو المكان الذي يمنحك الإذن بأن تكون على طبيعتك، ولو لدقائق قليلة، في عالم يطالبك دائمًا بأن تكون شيئًا آخر.

ولطالما آمنت، أن لكلٍّ مِنَّا "مقهاهُ الصغير" !



الجمعة، 20 ديسمبر 2024

إدمان اسمه: الكتابة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكتابة ...

 انحناءة الروح لتلامس حقيقتها. كل كلمة تُكتب هي نبض يحاول الإفلات من قفصه، وانفجار صغير يعيد ترتيب الفوضى في الداخل. الكتابة هي اعتراف نهمٌ بأننا نعيش ونُلاحظ، وأننا نحمل في دواخلنا شُروقًا وغُروبًا، بل ومطرًا يحاول أن يسقط ليقول رأيه.

حين نكتب يومياتنا، لا نوثق ما حدث، بل نعيد صياغة التفاصيل العادية ونحوّلها إلى شذرات من نور. الورقة تتحول إلى مرآةٍ ترى فيها أرواحنا ما غفلنا عنه؛ صوت الباب الذي أغلقناه برفق كي لا نوقظ أحدًا، ارتطام المفاتيح على الطاولة بعد يوم طويل، ولحظات الفجر التي تأتي في غير وقتها.

كل جملة نكتبها هي كسر في الجدار الذي يحيط بنا. الكتابة تكشف هشاشتنا، ويال التناقض فالكتابة تعزلنا طوعًا ثم تعود لتزرعنا في كل الدنيا، في كل من يقرأنا ومن كتبنا عنه أو كَتَبنا. وفي كل مرة نخط فيها جرحًا قديمًا أو وجعًا حديثًا، لا نُضعِف أرواحنا بل نصقلها، كما لو أن الألم حِدّة تجعل ملامحنا أوضح.

من أدمن الكتابة يكتبها أيضًا شفويًا، فهي لقاءٌ مع العالم من باب سري، نصبح أكثر حساسية لإشاراتهم التي لا تُقال؛ تلك النظرة التي تطول قليلاً عند الحديث عن الأحلام، رعشة الأصابع حين تُمسك كوب القهوة، وحتى الصمت الذي يثقل الهواء. كلها مفردات للغة سريّة.

الكتابة تجعلنا أكثر قربًا من كل شيء؛ من أرواحنا التي اعتدنا تجاهلها، من العالم الذي نظن أنه مجرد سطح بارد، ومن الخالق في كل التفاصيل. عندما نكتب، نلتقط هذه الإشارات كمن يقطف وردة. الكتابة هي فعلُ تأملٍ عميق، إنها دموع وابتسامات الروح للقلبِ، وبحثٌ عن الشغب، الشغب مع الذات ومشاكستها.

هنالك، في عالمك المكتوب فقط ستحتسي قهوتك برفقة طيور الشمس، وتتكىء على عمود من ضوء القمر. 

هو عالم مُضاء بمزاجك الخاص، بالمناسبة أخبرني عن مزاجك اليوم؟

في الكتابة، نحن لا نتصالح مع الحياة فحسب؛ بل نتعلم أن نحبها. أن نحتضن يومنا بكل ما فيه، لنُسلم أن كل شرخٍ في ذواتنا هو بابٌ يفتح على ضوء جديد. الكتابة تجعلنا نحب أنفسنا حين نكتشف أننا لسنا بحاجة لأن نكون كاملين، وأن كل عثرة هي جزء من طريق طويل.

الكتابة هي خُلاصة الزمن، زمننا، لا لأننا نكتب آلامنا، بل لأننا نخلق منها شيئًا يشبه الموسيقى؛ موجعة، لكنها عَذبة بما يكفي لتجعلنا نستمر.

وعندما نغلق دفترنا بعد آخر كلمة، نعلم يقينًا أن الورق لن يُسيء فهمنا، نشعر أن العالم أصبح أقل قسوة. ليس لأنه تغير، بل لأننا أصبحنا نعرف كيف نحمل وزنه. الكتابة لا تمنحنا أجوبة، لكنها تجعلنا نؤمن بأن الأسئلة، في حد ذاتها، كافية.


الثلاثاء، 14 مايو 2024

 (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شرٍّ ))

الجمعة، 2 يوليو 2021

اسمي كل أسماء الشجر

 












ملاحظة: تمت كتابة هذا الكتاب قبل سنوات بعيدة، عندما كان كل شيء واضحًا وبريئًا كشمس الصيف! 

الإهداء: الجميع يستيقظ في الصباح، إلا أمي يستيقظ الصباح فيها..إلى أمي.

يتناول الكتاب يوميات فتي والعالم.

تفسيره للأحداث الاعتيادية، نظرته لعالم البالغين. 

ابداعاته الصغيرة واهتماماته العميقة. رعايته لنبتته وأخيه الأصغر.

أسلوبة في وصف الألوان لشخص لا يبصر. 

إعجابه المتطرف بوالديه، كشفهِ للوجه الآخر لمسؤول الأنشط الترفيهية في مدرسته.

تدوينه للعبارات اللطيفة التي يقولها الآخرون في دفتر أطلق عليه " موسوعة اللطف المُصغرة"

وأخيرًا مروره بتجربة الحب الأول!  

إن كنت مهتمًا/مهتمة، للاطلاع على نبذة الكتاب التي تظهر على الغلاف الخلفي، اضغط هنا "هذا الكتاب

 مقاطع من الرواية:

{ واليوم، بعد مضي كل ذلك الوقت، أظن أنني كنت في طفولتي أنظر لعالم البالغين على أنه سطحي، وأن مُعظمهم مجبر على التفاهة لكي يُسمح لهم بالبقاء. وأنهم ينصاعون لأنه لا يوجد لهم مكان آخر يخلدون فيه للنوم. يتشاجرون على قشور، ويتباهون بأمور مضحكة. يعبسون ويبكون لأسباب واهية. يحطمون تاريخهم المُشترك من أجل أن يسيطروا على اللحظة الراهنة، وكنت أنا في ذلك العالم أضحك تارة عليهم مع رفاقي، وأرتجف بيني وبين نفسي خوفًا من الدخول في عالمهم يومًا ما. وها قد حدث كل ما كنت أخشاه. }

 .

{  كنتُ أنظر للسماء في الليل لأنظر لما تنظر إليه ماريا. يخترق بصري حدود السحاب، فأصل لتفاصيل النجمات، للغبار الكوني، للدوامات العميقة من الصمت والسكون. هنالك في تلك العوالم، كل جرم معتز بنفسه، مُصر على موقفه. شيء إلى هنالك يشدني، شعور بالأمان يلفني، كم أنا مهم رغم كياني المتناهي في الصغر كتلك الحبيبات البعيدة. ربما تبدو أجرامًا بلا ملامح لكنها بحاجة لمن يحبها وينظر إليها، ربما كنت أنا هذا الأحد، ولعلنا في هذه اللحظة نتشارك أنا وماريا وغرباء آخرون، نتشارك دون أن ندري في النظر إليها والتسبيح. أقترب من نفسي أكثر، أتقرب إلى الله، أريد أن أبكي، أن أسجد لله، أن أحمد الله في كل زمن عشت فيه، وكل الأزمان التي قد لا أكون فيها، أن أحمد الله بعدد تلك الذرات المتناثرة في صفحة الكون. } 

.

ونصيحة أخيرة: إن كنت لا تحب هذا النوع من الكتابات؛ أعني تلك التي تتناول هموم الإنسان العادي، الحياة البسيطة، النظرة العميقة للموجودات، الطعام، المرح، الحزن، الروتين، الكتابة بخط اليد، الذكريات، رائحة القهوة... فهذه الرواية لا تناسبك.   

تقع الرواية في 142 صفحة، حجم  21x 14 cm

منشورات: قهوة للنشر

تاريخ النشر: مايو 2021

من الممكن إقتناؤها من موقع قهوة للنشر 


الجمعة، 25 ديسمبر 2020

مقطوعة من الجنّة

 .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في بُعد ثالث من الحياة، هنالك خلف الكون الأرضي، فيما وراء الحب، يعيش بشر على قطعة من قلب. 

لم يعد سكانها بحاجة إلى الأمنيات لأن الحياة فيها هي كل الأمنيات. التسميات مختلفة ولا تصف شيئًا مما يحدث في عالمنا. فالقهوة والشيكولاه وصوت ضحكتك تُصنف ضمن مُذهبات العقل! لا تقلق، رغم ذلك هي غير ممنوعة ولا وجود للممنوعات هنالك على أيه حال!

أما العطر المفضل لكل إنسان فهو غطاء النوم الذي يلتحف به. هنالك لا يقولون ليلة سعيدة، لأن النوم يسرق من أعمارهم، ولولا أهميته للجسد لما ناموا. وهم لا يحلمون، بل يتذكرون !

 يتذكرون أحداثهم السعيدة التي عاشوها خلال النهار، ثم يستيقظون للصلاة والحمد.

لكنهم رغم ذلك يحزنون. يحدث هذا غالبا عندما ينام أحدهم ويُحب أن يستمر في رحلة الذكريات على العودة ! عندها لا يقولون مات، بل غادر إلى الذكريات.  لذا لا يغادر إلا من بلغ من الذكريات عتيًا. 

وهم عندما يحزنون لا يذرفون الدموع، بل يدفنون وجوههم في أكتاف أصحابهم، حتى تنبت على وجههم زهور صغيرة بحجم دمعة ! وعليهم قطفها وإهدائها لذلك الصديق عرفانًا له لأنه سبب ذلك الربيع، لذلك هم يسمون الصديق " ربيعي ".

إنهم جزلون في الحديث، مسهبون في الجمال، عميقون في الإنسانية!

كلٌ منهم كون قائم بذاته، غريب مُتلألىء في معانيه، ورغم ذلك لا بد أن يلتقي بشبيهه في الغرابة ! لا يوجد في قاموسهم كلمة " تظَاهَر" بل ما يبدو هو الحقيقي فعلًا.

الوحدة هي الجائزة. عندما يتفوق أحدهم في شيء ما، يصعد على المنصة ويُعلن عن منحه عددًا معينًا من ساعات الوحدة، فالناس الوحيدون في ذلك العالم مثار غبطة ! 

في منتصف الليل تهبط النجوم إلى الأرض، وتصعد الورود إلى السماء، لأنهم يؤمنون بالعدالة، ثم يتم تبادر الأدوار بمجرد ولوج النور الكامل إلى الكون، لكن لو استيقظتَ باكرًا جدًا جدًا بإمكانك قطف نجمة أو نجمتين واحتجازها عندك ما تبقى من عمرك.

هناك، يحب البشر المطر ليس لأنه مطرًا فحسب، بل لأنه يكشف الحقيقة، لذلك هم لم يبتكروا المظلات بعد، ولا يريدون. عندما تمطر، يجلس كل منهم أسفل غيمة، أكثرهم حلاوة يذوب أولا! 

ليولدوا بعدها من جديد! بذوق جديد، وحس فريد.

هم لا يشيخون، بل تمر عليهم الذكريات ويترقون ليُصنفوا "كعمال نور"، هؤلاء فقط قد يتداخلون مع العالم الأرضي، عالمنا. يدخلون ويخرجون من أبواب القلب في رحلات ذهاب وعودة، يؤدون مهمات سرية نورانيّة، ومنهم قد يتسرب بعض الجمال إلى هذا العالم، ويبقى .. إلى الأبد !

بعضهم قد يفشي سرًا عن عالمه، ليصنع لنا فرحة، لأنه شعر بالرأفة علينا. إنها مجرد أسرار بريئة، صغيرة في عالمهم، قد لا تتعدى أحيانًا بضع مفردات أو لوحات طبيعية أبدعها الخالق عزو وجل، لكنها عظيمة مُلهمة في عالمنا.

كمُفردة "بروحي"، تلك التي تُقال في "بلدي"، أما عن بلدي فلا تسألني،  لأن أي مكان أو إنسان يحبني وأحبه هو بلدي، وأما عن مفردة "بروحي"  كناية عن أن المُتحدث قد فعل الشيء بُمفردة دون مساعدة أحد، فعله بروحه! 

كظاهرة "البحر المضيء" أو " قوس المطر"، كقدرة الرضيع على قول "ماما" "بابا" بالفطرة ... 

كدمعة ... كدمعة إنسان من أجل إنسان !  

 

  

الأربعاء، 26 أغسطس 2020

حكايتنا -5

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

حقا، أنت كنت راضيًا عن ذاتك لكن خاسرًا لتطلعاتك، غير محقق لأحلامك، أرهقك التنازل عنها وإعادة البناء في كل مرة، أتعبك تعبيد الطريق مرارً، ثم الضياع في غابة مكائد البشر، وأخيرًا تعبت من التمشي بداخل ذاتك.
سيتم رفضك ونبذك مآت المرات، لأنك شخص جاد جميل ومختلف، تشكل خطرًا ما على بعض الأرواح الغير جميلة، اصنع عالمك وانهض.
  ومن الآن، تبرع لنفسك وابتسم !
فلا توجد حتى اليوم حملات تبرع للحزانى، ولا مؤسسات رعاية ومساندة. يجب أن يكون الخراب مرئيًا ليتم تحديدة والتبرع بهدف الانقاذ!
شخصيًا أدركُ يقينا أنه كلما استيقظت شمسنا وأشرقت بداخلنا، يعني أننا عشنا تجربة حزن، وأننا نجحنا في اجتياز امتحان الغروب. وإن كانت الحياة في مجملها حزن على حزن، وأن السكينة لحظات قليلة لكنها غير عادية، فهي هبات ربانية كُتبت باسمك في كتاب أقدارك، من حقك أن تشعر بها، وبعمق. لذا كن قنبلة تفاؤل موقوته على أول بادرة للبهجة.

لو كنت في أوائل عشريناتك، وبقيت على أرض البشر لعشرين عامًا أُخر، ستكون قد افترقت عن رفاقك، وأهلك، وناسك، ولابد أن تكون شاسعًا  لا متناهي الحدود. عميقا وحيدًا ، ستكون مُحيرًا، جميلًا جمالا أبديا لا يُبلى. ستكون منجمًا للعطاء دون انتظار للمقابل، سيسألك زميل دراسة ستلتقي به مصادفه في متجر عام، أو فرح عام، أو حزن عام، هل أنت الأخ الأصغر لفلان؟ سترد: لا أنا فلان نفسه ! كيف حالك أنت ؟ وأنت ؟ ما هو سرك وكيف مضى بنا الزمن وأنتَ بقيت شابًا نضرًا تتفجر ألقًا ، ستقول :
تبعتُ قلبي
فقط؟
وشغلتُ روحي، وكان الوجه وجهي، ولله وكلت أمري، وكفى بالله وكيلًا .  
وأحلامك؟
في جنة الخلد بإذن الله
ألم تتعلم بعد من أين تؤكل الكتف ؟
تعلمت لكني رسبت .. فالأكتاف للاستناد لا للأكل!

إنها قصة الأصدقاء! أنشودة الأحلام وبناء المستقبل!  إنها حكايتي، وحكايتك، وحكاية كل عادي جميل على هذه الأرض.  

انتهى.

الأحد، 23 أغسطس 2020

حكايتنا -4

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

سيُريحك أن تتعرف على أشخاص في مقتبل العمر، في طور تكوين الشخصية، حيث لا مناصب، لا أقنعة، أو مآرب أخرى. لم ينلهم من كدر الدنيا إلا الأقل، ولم يلوثهم بعد تزلف الجموع، ينشدون الصحبة لمجرد الصحبة. وبعد أن نضجتَ وتحولت من طور الحلم إلى الغضب، سيُعيدك هؤلاء الصغار حالِمًا ولكن على مستوى أعلى، حيث ستكون كما نقول (بايعها) أو بالمصرية (مكبر دماغو) وبالشامية (اللي بدكو إياه).

وعندما تتغير هواياتك، وتتراكم عشرات الكتب التي اقتنيتها بحكم العادة، لكن دون قراءة. عندما تزعجك معزوفة جسر القمر، ، ولم يعد فلم you've Got Mail هو المفضل، بل حتى ذوقك في العطور التي ترتديها تغير. وتتساءل كيف أعجبك كل ذلك يومًا! ستدرك أنك قد أتممتَ دورة التحول بنجاح، وكوّنت دروعك الواقية.

أنت كغيرك من (العاديين) الذين حرموا من أن يمارسوا عاديتهم، أدركت أن الخير لا ينتصر إلا في الروايات، وأن الوضوح ليس إلا كشف أوراق للغير. وأن النفاق الاجتماعي قد أتى على كل أحلامك، وأنك البريء المتخلف عن رُكب المنظومة الاجتماعية الهائلة القبح، بكل ما فيها من تعدد أوجه وأحزاب بشرية لا إنسانية طالت كل جوانب الحياة. طالت البحر والقصيدة، الطفل والعشب، الموسيقى والوردة!
وأن الإبتسامة أصبحت فقط في عصر ما قبل (السيلفي)، فأنت تحب تأمل صورك القديمة، ليس فقط لأنك لا تشيخ فيها، بل لأن ابتسامتك تلك كانت باتجاه مُلتقطها. وأن الوفاء يسبب ضعفًا في الأداء، أداءك كإنسان. وأن إيفاء الوعود يكون بالمقايضة، وحب الخير للآخر كحجر من القمر، موجود لكنه بعيد المنال. والعشرة الطيبة جوهرة ابتلعها وحش الغابة وعليك المغامرة لإعادتها من جديد للمدينة الجليدية. ولأنك لستَ المسؤول عن كل هذا السواد، والفوضى، والشر المحض، تقرر الهروب والنجاة بنفسك، ليصبح اسمك (المعقد).

في ذلك اليوم عندما اجتمعت العائلة والتقيتَ بفتياتها وفتيانها. حديثي عهدٍ بالحياة، تبادلتَ بعض الأحاديث المقتضبة معهم، ما حلمك أنت؟ ماذا ستدرسين في الجامعة؟ أوه وأنت أيضا تفضل الدراما الكورية ؟ تستمع إليهم ولا يسعك إلا أن تحترم تفاؤلهم اتجاه أي شيء، فتفاؤلهم ملك خاص بهم ليس من حقك جرحة. هو خصلة جلبوها معهم من طفولتهم، وستموت من تلقاء نفسها مع مرور الأيام.
لقد رأيتَ بداياتكَ فيهم. كيف كنت وإلى ماذا انتهيت؟
تأوي إلى فراشك وتتساءل هل ينتقدني أولئك الصغار كما كنت أفعل أنا ؟ من منهم سيسقط في اختبار الحياة ويتبع ذلك الطريق الذي يتبعه الجموع، ويُصبح نسخة جديدة من صُناّع الخراب، ومن هو الذي سيكمل حياته حقيقيًا طاهرًا ؟ إنك لتشعر بحكم خبرتك وتستطيع التخمين. وللأسف؛ تشعر بالأسى عليه لأنك تعرف ما ينتظره من معارك، وأن الزمن سيفضي به إلى شعور مرير بالغربة والغرابة.
.

الخميس، 20 أغسطس 2020

حكايتنا -3

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.


 وحدك تفهم ضحكهم الموقوت كجرس منبه، فهو غطاء! فلاهم استطاعوا أن يكونوا كما شدهم طموحهم المتوحش ، ولاهم بقوا على ما أحبوا. لاهم نجحوا في جعلكَ هباءً  ولا في استمرارية خداعك .أما سبب محاولات قتلك فتعود لأنك هكذا! لأنك فقط تذكرهم بنسخهم القديمة التي فرطوا بها، لأنك لم تتبدل للأسوء وبقيت قويًا دون أن تحشوا قلبك بأشواك مسروقة من صبارة جبلية! ولأنك ببساطة لم ترتد قناع الورد، بل انشغلت بزراعته.

وبعد أن استوعبتَ تهمتك، ألا وهي أنك هكذا! ربيعيٌ، تُحسن من جودة الحياة، تُلطف من التجمع الإنساني على المعمورة، لأنك الوتر البهيج، والهلال ضمن فوج أهلّة وُلدتْ عندما كانت الدنيا منيرة، والوحيد الذي استدار لقمر عندما أظلمت. لأنك الأصيل الذي لم يتبدل، والقريب من القلب، الحقيقة أنك القلب. لأنك العطر في الجو، والنجمة في مقلة العين، لأنك الإنسان كما للإنسان أن يرتقي، لأنك الخاشع، لأنك من يُقال له : مازال في الدنيا خير. لأنك من تجعلنا نُحب الغد، ونتوق إلى العودة للمكان، لأنك زينة اللحظة. جريمتك أنك عادي جدًا، تتشابه في خصلة ما مع أحدهم، فيشعر من يلتقيك أنه يعرفك منذ أزمان بعيدة، وأنك تعرفه أيضا، وتدرك عمق جرحه، وأنك تخصه، تخصة وحده. لأنك من يُؤخذ برأيه، و يُعتّد بمعرفته، ويُفتخر بلقائة، كيف لا؟ وأنت سكر معقود في طرف أيامنا، وعلامة الحُسن في دفتر يومياتنا.
لأنك هكذا! فتلك جريمة 
   
يجب أن يكون التشوه جماعيًا ليتم قبولك والمصادقة على وجودك! لذا لا تحاول أن تتوهج فتلك تُعد خيانه! خيانة لقبيلة ضخمة من الأموات اسمها رواّد المصلحة الشخصية. لن يدعوك حتى تموت على طريقتهم، أو تموت جراء مقاومتك لهم، ولأنك اخترت الخيار الأخير... 

 تقرر أخيرًا إغلاق المتجر المُسمى "روحك"، وتعلن عن نفاذ بضاعتك، فلم تعد تقدم الدعم المعنوي للأشخاص الذين كرهوا لك الخير!       
.