الأحد، 23 أغسطس 2020

حكايتنا -4

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

سيُريحك أن تتعرف على أشخاص في مقتبل العمر، في طور تكوين الشخصية، حيث لا مناصب، لا أقنعة، أو مآرب أخرى. لم ينلهم من كدر الدنيا إلا الأقل، ولم يلوثهم بعد تزلف الجموع، ينشدون الصحبة لمجرد الصحبة. وبعد أن نضجتَ وتحولت من طور الحلم إلى الغضب، سيُعيدك هؤلاء الصغار حالِمًا ولكن على مستوى أعلى، حيث ستكون كما نقول (بايعها) أو بالمصرية (مكبر دماغو) وبالشامية (اللي بدكو إياه).

وعندما تتغير هواياتك، وتتراكم عشرات الكتب التي اقتنيتها بحكم العادة، لكن دون قراءة. عندما تزعجك معزوفة جسر القمر، ، ولم يعد فلم you've Got Mail هو المفضل، بل حتى ذوقك في العطور التي ترتديها تغير. وتتساءل كيف أعجبك كل ذلك يومًا! ستدرك أنك قد أتممتَ دورة التحول بنجاح، وكوّنت دروعك الواقية.

أنت كغيرك من (العاديين) الذين حرموا من أن يمارسوا عاديتهم، أدركت أن الخير لا ينتصر إلا في الروايات، وأن الوضوح ليس إلا كشف أوراق للغير. وأن النفاق الاجتماعي قد أتى على كل أحلامك، وأنك البريء المتخلف عن رُكب المنظومة الاجتماعية الهائلة القبح، بكل ما فيها من تعدد أوجه وأحزاب بشرية لا إنسانية طالت كل جوانب الحياة. طالت البحر والقصيدة، الطفل والعشب، الموسيقى والوردة!
وأن الإبتسامة أصبحت فقط في عصر ما قبل (السيلفي)، فأنت تحب تأمل صورك القديمة، ليس فقط لأنك لا تشيخ فيها، بل لأن ابتسامتك تلك كانت باتجاه مُلتقطها. وأن الوفاء يسبب ضعفًا في الأداء، أداءك كإنسان. وأن إيفاء الوعود يكون بالمقايضة، وحب الخير للآخر كحجر من القمر، موجود لكنه بعيد المنال. والعشرة الطيبة جوهرة ابتلعها وحش الغابة وعليك المغامرة لإعادتها من جديد للمدينة الجليدية. ولأنك لستَ المسؤول عن كل هذا السواد، والفوضى، والشر المحض، تقرر الهروب والنجاة بنفسك، ليصبح اسمك (المعقد).

في ذلك اليوم عندما اجتمعت العائلة والتقيتَ بفتياتها وفتيانها. حديثي عهدٍ بالحياة، تبادلتَ بعض الأحاديث المقتضبة معهم، ما حلمك أنت؟ ماذا ستدرسين في الجامعة؟ أوه وأنت أيضا تفضل الدراما الكورية ؟ تستمع إليهم ولا يسعك إلا أن تحترم تفاؤلهم اتجاه أي شيء، فتفاؤلهم ملك خاص بهم ليس من حقك جرحة. هو خصلة جلبوها معهم من طفولتهم، وستموت من تلقاء نفسها مع مرور الأيام.
لقد رأيتَ بداياتكَ فيهم. كيف كنت وإلى ماذا انتهيت؟
تأوي إلى فراشك وتتساءل هل ينتقدني أولئك الصغار كما كنت أفعل أنا ؟ من منهم سيسقط في اختبار الحياة ويتبع ذلك الطريق الذي يتبعه الجموع، ويُصبح نسخة جديدة من صُناّع الخراب، ومن هو الذي سيكمل حياته حقيقيًا طاهرًا ؟ إنك لتشعر بحكم خبرتك وتستطيع التخمين. وللأسف؛ تشعر بالأسى عليه لأنك تعرف ما ينتظره من معارك، وأن الزمن سيفضي به إلى شعور مرير بالغربة والغرابة.
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق