الكتابة ...
انحناءة الروح لتلامس حقيقتها. كل كلمة تُكتب هي نبض يحاول الإفلات من قفصه، وانفجار صغير يعيد ترتيب الفوضى في الداخل. الكتابة هي اعتراف نهمٌ بأننا نعيش ونُلاحظ، وأننا نحمل في دواخلنا شُروقًا وغُروبًا، بل ومطرًا يحاول أن يسقط ليقول رأيه.
حين نكتب يومياتنا، لا نوثق ما حدث، بل نعيد صياغة التفاصيل العادية ونحوّلها إلى شذرات من نور. الورقة تتحول إلى مرآةٍ ترى فيها أرواحنا ما غفلنا عنه؛ صوت الباب الذي أغلقناه برفق كي لا نوقظ أحدًا، ارتطام المفاتيح على الطاولة بعد يوم طويل، ولحظات الفجر التي تأتي في غير وقتها.
كل جملة نكتبها هي كسر في الجدار الذي يحيط بنا. الكتابة تكشف هشاشتنا، ويال التناقض فالكتابة تعزلنا طوعًا ثم تعود لتزرعنا في كل الدنيا، في كل من يقرأنا ومن كتبنا عنه أو كَتَبنا. وفي كل مرة نخط فيها جرحًا قديمًا أو وجعًا حديثًا، لا نُضعِف أرواحنا بل نصقلها، كما لو أن الألم حِدّة تجعل ملامحنا أوضح.
من أدمن الكتابة يكتبها أيضًا شفويًا، فهي لقاءٌ مع العالم من باب سري، نصبح أكثر حساسية لإشاراتهم التي لا تُقال؛ تلك النظرة التي تطول قليلاً عند الحديث عن الأحلام، رعشة الأصابع حين تُمسك كوب القهوة، وحتى الصمت الذي يثقل الهواء. كلها مفردات للغة سريّة.
الكتابة تجعلنا أكثر قربًا من كل شيء؛ من أرواحنا التي اعتدنا تجاهلها، من العالم الذي نظن أنه مجرد سطح بارد، ومن الخالق في كل التفاصيل. عندما نكتب، نلتقط هذه الإشارات كمن يقطف وردة. الكتابة هي فعلُ تأملٍ عميق، إنها دموع وابتسامات الروح للقلبِ، وبحثٌ عن الشغب، الشغب مع الذات ومشاكستها.
هنالك، في عالمك المكتوب فقط ستحتسي قهوتك برفقة طيور الشمس، وتتكىء على عمود من ضوء القمر.
هو عالم مُضاء بمزاجك الخاص، بالمناسبة أخبرني عن مزاجك اليوم؟
في الكتابة، نحن لا نتصالح مع الحياة فحسب؛ بل نتعلم أن نحبها. أن نحتضن يومنا بكل ما فيه، لنُسلم أن كل شرخٍ في ذواتنا هو بابٌ يفتح على ضوء جديد. الكتابة تجعلنا نحب أنفسنا حين نكتشف أننا لسنا بحاجة لأن نكون كاملين، وأن كل عثرة هي جزء من طريق طويل.
الكتابة هي خُلاصة الزمن، زمننا، لا لأننا نكتب آلامنا، بل لأننا نخلق منها شيئًا يشبه الموسيقى؛ موجعة، لكنها عَذبة بما يكفي لتجعلنا نستمر.
وعندما نغلق دفترنا بعد آخر كلمة، نعلم يقينًا أن الورق لن يُسيء فهمنا، نشعر أن العالم أصبح أقل قسوة. ليس لأنه تغير، بل لأننا أصبحنا نعرف كيف نحمل وزنه. الكتابة لا تمنحنا أجوبة، لكنها تجعلنا نؤمن بأن الأسئلة، في حد ذاتها، كافية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق