‏إظهار الرسائل ذات التسميات بريد مكتوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بريد مكتوب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 28 ديسمبر 2024

مقهى صغير

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

لطالما آمنتُ أنَّه عندما تكون برفقة إنسان لطيف، فإن أي مكان يصبح مقهى.

في زاوية ما من هذا العالم، بعيدًا عن صخب المدن وضوضاء الزمن، يجلس مكان اسمه "المقهى الصغير". لا يحمل من الأبهة سوى تواضعه، ولا يعجّ بالحشود إلا بأرواح مرت من هنا وتركَت بصمتها في الهواء. طاولاته الخشبية، المُعتّقة ببصمات الأقداح، تحكي عن لحظات توقّفت فيها الحياة قليلاً، لتُمنح مساحةً للهدوء، للتأمل، ولتخفيف حمل الأيام.

هذا المقهى أشبه بقلب قديم، حضن صامت يفتح ذراعيه لكل من يدخل، ينبض على إيقاع الحياة الهادئة؛ بسيط، لكنه يحمل تعقيدًا عذبًا في كل تفاصيله. صوت الملعقة وهي تصافح الفنجان أشبه بموسيقى خافتة تُخبرك بأنك لست وحدك، وأن ثمة نظامًا في فوضى العالم. الضوء الخافت الذي يغمر المكان يُشبه غروبًا أزليًا، يهمس لك بأن هذه اللحظة تليق بك.

 في هذا المقهى، الحزن ليس نِدًا، بل رفيق يعرف كيف يجلس بصمت إلى جانبك إلى أن يرتقي ليصبح شجنًا. هو الشجن الذي يذكرك بأنك عِشْت، بَسمْت ودَمعْت، وبأنك خسرتْ وأحيانًا ربحتْ، وأن الحياة ليست سوى فُسيفساء من تلك اللحظات. 

ربما ما يجعل المقهى مكانًا فريدًا؛ أنه يسمح لك بأن تشعر بكل ذلك دون أن يحكم عليك.

الوحدة في المقهى عودة إلى الذات. هنا، تتحاور مع انعكاسك في سطح القهوة، البخار الذي يتلاشى كأنما يُذكرك بأن الألم أيضًا عابر، وأن الحياة، بكل ما فيها، تستحق أن تُعاش.

القهوة هنا هي الحكاية. لونها الداكن يشبه أعماقك؛ غامض ومليء بالحياة. مرارتها عزاء، ودفؤها وعد بأنك ستنهض مجددًا، حتى لو لم تعرف متى أو كيف.

المقهى الصغير، مثل فنجان قهوتك، يحمل تناقضات جميلة. فيه من الفرح بقدر ما فيه من الحزن، هو المكان الذي تتحول فيه الابتسامات العابرة إلى طيور، والضحكات الخافتة إلى أغانٍ غير مكتملة. ترى الطفل الذي يضحك على شيء بسيط كأنه يذكرنا بأن الفرح لا يحتاج إلى أسباب معقدة.

المقهى الصغير أيضًا وطن صغير للروح. هو المكان الذي يمنحك الإذن بأن تكون على طبيعتك، ولو لدقائق قليلة، في عالم يطالبك دائمًا بأن تكون شيئًا آخر.

ولطالما آمنت، أن لكلٍّ مِنَّا "مقهاهُ الصغير" !



الجمعة، 20 ديسمبر 2024

إدمان اسمه: الكتابة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكتابة ...

 انحناءة الروح لتلامس حقيقتها. كل كلمة تُكتب هي نبض يحاول الإفلات من قفصه، وانفجار صغير يعيد ترتيب الفوضى في الداخل. الكتابة هي اعتراف نهمٌ بأننا نعيش ونُلاحظ، وأننا نحمل في دواخلنا شُروقًا وغُروبًا، بل ومطرًا يحاول أن يسقط ليقول رأيه.

حين نكتب يومياتنا، لا نوثق ما حدث، بل نعيد صياغة التفاصيل العادية ونحوّلها إلى شذرات من نور. الورقة تتحول إلى مرآةٍ ترى فيها أرواحنا ما غفلنا عنه؛ صوت الباب الذي أغلقناه برفق كي لا نوقظ أحدًا، ارتطام المفاتيح على الطاولة بعد يوم طويل، ولحظات الفجر التي تأتي في غير وقتها.

كل جملة نكتبها هي كسر في الجدار الذي يحيط بنا. الكتابة تكشف هشاشتنا، ويال التناقض فالكتابة تعزلنا طوعًا ثم تعود لتزرعنا في كل الدنيا، في كل من يقرأنا ومن كتبنا عنه أو كَتَبنا. وفي كل مرة نخط فيها جرحًا قديمًا أو وجعًا حديثًا، لا نُضعِف أرواحنا بل نصقلها، كما لو أن الألم حِدّة تجعل ملامحنا أوضح.

من أدمن الكتابة يكتبها أيضًا شفويًا، فهي لقاءٌ مع العالم من باب سري، نصبح أكثر حساسية لإشاراتهم التي لا تُقال؛ تلك النظرة التي تطول قليلاً عند الحديث عن الأحلام، رعشة الأصابع حين تُمسك كوب القهوة، وحتى الصمت الذي يثقل الهواء. كلها مفردات للغة سريّة.

الكتابة تجعلنا أكثر قربًا من كل شيء؛ من أرواحنا التي اعتدنا تجاهلها، من العالم الذي نظن أنه مجرد سطح بارد، ومن الخالق في كل التفاصيل. عندما نكتب، نلتقط هذه الإشارات كمن يقطف وردة. الكتابة هي فعلُ تأملٍ عميق، إنها دموع وابتسامات الروح للقلبِ، وبحثٌ عن الشغب، الشغب مع الذات ومشاكستها.

هنالك، في عالمك المكتوب فقط ستحتسي قهوتك برفقة طيور الشمس، وتتكىء على عمود من ضوء القمر. 

هو عالم مُضاء بمزاجك الخاص، بالمناسبة أخبرني عن مزاجك اليوم؟

في الكتابة، نحن لا نتصالح مع الحياة فحسب؛ بل نتعلم أن نحبها. أن نحتضن يومنا بكل ما فيه، لنُسلم أن كل شرخٍ في ذواتنا هو بابٌ يفتح على ضوء جديد. الكتابة تجعلنا نحب أنفسنا حين نكتشف أننا لسنا بحاجة لأن نكون كاملين، وأن كل عثرة هي جزء من طريق طويل.

الكتابة هي خُلاصة الزمن، زمننا، لا لأننا نكتب آلامنا، بل لأننا نخلق منها شيئًا يشبه الموسيقى؛ موجعة، لكنها عَذبة بما يكفي لتجعلنا نستمر.

وعندما نغلق دفترنا بعد آخر كلمة، نعلم يقينًا أن الورق لن يُسيء فهمنا، نشعر أن العالم أصبح أقل قسوة. ليس لأنه تغير، بل لأننا أصبحنا نعرف كيف نحمل وزنه. الكتابة لا تمنحنا أجوبة، لكنها تجعلنا نؤمن بأن الأسئلة، في حد ذاتها، كافية.


الأربعاء، 26 أغسطس 2020

حكايتنا -5

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

حقا، أنت كنت راضيًا عن ذاتك لكن خاسرًا لتطلعاتك، غير محقق لأحلامك، أرهقك التنازل عنها وإعادة البناء في كل مرة، أتعبك تعبيد الطريق مرارً، ثم الضياع في غابة مكائد البشر، وأخيرًا تعبت من التمشي بداخل ذاتك.
سيتم رفضك ونبذك مآت المرات، لأنك شخص جاد جميل ومختلف، تشكل خطرًا ما على بعض الأرواح الغير جميلة، اصنع عالمك وانهض.
  ومن الآن، تبرع لنفسك وابتسم !
فلا توجد حتى اليوم حملات تبرع للحزانى، ولا مؤسسات رعاية ومساندة. يجب أن يكون الخراب مرئيًا ليتم تحديدة والتبرع بهدف الانقاذ!
شخصيًا أدركُ يقينا أنه كلما استيقظت شمسنا وأشرقت بداخلنا، يعني أننا عشنا تجربة حزن، وأننا نجحنا في اجتياز امتحان الغروب. وإن كانت الحياة في مجملها حزن على حزن، وأن السكينة لحظات قليلة لكنها غير عادية، فهي هبات ربانية كُتبت باسمك في كتاب أقدارك، من حقك أن تشعر بها، وبعمق. لذا كن قنبلة تفاؤل موقوته على أول بادرة للبهجة.

لو كنت في أوائل عشريناتك، وبقيت على أرض البشر لعشرين عامًا أُخر، ستكون قد افترقت عن رفاقك، وأهلك، وناسك، ولابد أن تكون شاسعًا  لا متناهي الحدود. عميقا وحيدًا ، ستكون مُحيرًا، جميلًا جمالا أبديا لا يُبلى. ستكون منجمًا للعطاء دون انتظار للمقابل، سيسألك زميل دراسة ستلتقي به مصادفه في متجر عام، أو فرح عام، أو حزن عام، هل أنت الأخ الأصغر لفلان؟ سترد: لا أنا فلان نفسه ! كيف حالك أنت ؟ وأنت ؟ ما هو سرك وكيف مضى بنا الزمن وأنتَ بقيت شابًا نضرًا تتفجر ألقًا ، ستقول :
تبعتُ قلبي
فقط؟
وشغلتُ روحي، وكان الوجه وجهي، ولله وكلت أمري، وكفى بالله وكيلًا .  
وأحلامك؟
في جنة الخلد بإذن الله
ألم تتعلم بعد من أين تؤكل الكتف ؟
تعلمت لكني رسبت .. فالأكتاف للاستناد لا للأكل!

إنها قصة الأصدقاء! أنشودة الأحلام وبناء المستقبل!  إنها حكايتي، وحكايتك، وحكاية كل عادي جميل على هذه الأرض.  

انتهى.

الأحد، 23 أغسطس 2020

حكايتنا -4

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

سيُريحك أن تتعرف على أشخاص في مقتبل العمر، في طور تكوين الشخصية، حيث لا مناصب، لا أقنعة، أو مآرب أخرى. لم ينلهم من كدر الدنيا إلا الأقل، ولم يلوثهم بعد تزلف الجموع، ينشدون الصحبة لمجرد الصحبة. وبعد أن نضجتَ وتحولت من طور الحلم إلى الغضب، سيُعيدك هؤلاء الصغار حالِمًا ولكن على مستوى أعلى، حيث ستكون كما نقول (بايعها) أو بالمصرية (مكبر دماغو) وبالشامية (اللي بدكو إياه).

وعندما تتغير هواياتك، وتتراكم عشرات الكتب التي اقتنيتها بحكم العادة، لكن دون قراءة. عندما تزعجك معزوفة جسر القمر، ، ولم يعد فلم you've Got Mail هو المفضل، بل حتى ذوقك في العطور التي ترتديها تغير. وتتساءل كيف أعجبك كل ذلك يومًا! ستدرك أنك قد أتممتَ دورة التحول بنجاح، وكوّنت دروعك الواقية.

أنت كغيرك من (العاديين) الذين حرموا من أن يمارسوا عاديتهم، أدركت أن الخير لا ينتصر إلا في الروايات، وأن الوضوح ليس إلا كشف أوراق للغير. وأن النفاق الاجتماعي قد أتى على كل أحلامك، وأنك البريء المتخلف عن رُكب المنظومة الاجتماعية الهائلة القبح، بكل ما فيها من تعدد أوجه وأحزاب بشرية لا إنسانية طالت كل جوانب الحياة. طالت البحر والقصيدة، الطفل والعشب، الموسيقى والوردة!
وأن الإبتسامة أصبحت فقط في عصر ما قبل (السيلفي)، فأنت تحب تأمل صورك القديمة، ليس فقط لأنك لا تشيخ فيها، بل لأن ابتسامتك تلك كانت باتجاه مُلتقطها. وأن الوفاء يسبب ضعفًا في الأداء، أداءك كإنسان. وأن إيفاء الوعود يكون بالمقايضة، وحب الخير للآخر كحجر من القمر، موجود لكنه بعيد المنال. والعشرة الطيبة جوهرة ابتلعها وحش الغابة وعليك المغامرة لإعادتها من جديد للمدينة الجليدية. ولأنك لستَ المسؤول عن كل هذا السواد، والفوضى، والشر المحض، تقرر الهروب والنجاة بنفسك، ليصبح اسمك (المعقد).

في ذلك اليوم عندما اجتمعت العائلة والتقيتَ بفتياتها وفتيانها. حديثي عهدٍ بالحياة، تبادلتَ بعض الأحاديث المقتضبة معهم، ما حلمك أنت؟ ماذا ستدرسين في الجامعة؟ أوه وأنت أيضا تفضل الدراما الكورية ؟ تستمع إليهم ولا يسعك إلا أن تحترم تفاؤلهم اتجاه أي شيء، فتفاؤلهم ملك خاص بهم ليس من حقك جرحة. هو خصلة جلبوها معهم من طفولتهم، وستموت من تلقاء نفسها مع مرور الأيام.
لقد رأيتَ بداياتكَ فيهم. كيف كنت وإلى ماذا انتهيت؟
تأوي إلى فراشك وتتساءل هل ينتقدني أولئك الصغار كما كنت أفعل أنا ؟ من منهم سيسقط في اختبار الحياة ويتبع ذلك الطريق الذي يتبعه الجموع، ويُصبح نسخة جديدة من صُناّع الخراب، ومن هو الذي سيكمل حياته حقيقيًا طاهرًا ؟ إنك لتشعر بحكم خبرتك وتستطيع التخمين. وللأسف؛ تشعر بالأسى عليه لأنك تعرف ما ينتظره من معارك، وأن الزمن سيفضي به إلى شعور مرير بالغربة والغرابة.
.

الخميس، 20 أغسطس 2020

حكايتنا -3

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.


 وحدك تفهم ضحكهم الموقوت كجرس منبه، فهو غطاء! فلاهم استطاعوا أن يكونوا كما شدهم طموحهم المتوحش ، ولاهم بقوا على ما أحبوا. لاهم نجحوا في جعلكَ هباءً  ولا في استمرارية خداعك .أما سبب محاولات قتلك فتعود لأنك هكذا! لأنك فقط تذكرهم بنسخهم القديمة التي فرطوا بها، لأنك لم تتبدل للأسوء وبقيت قويًا دون أن تحشوا قلبك بأشواك مسروقة من صبارة جبلية! ولأنك ببساطة لم ترتد قناع الورد، بل انشغلت بزراعته.

وبعد أن استوعبتَ تهمتك، ألا وهي أنك هكذا! ربيعيٌ، تُحسن من جودة الحياة، تُلطف من التجمع الإنساني على المعمورة، لأنك الوتر البهيج، والهلال ضمن فوج أهلّة وُلدتْ عندما كانت الدنيا منيرة، والوحيد الذي استدار لقمر عندما أظلمت. لأنك الأصيل الذي لم يتبدل، والقريب من القلب، الحقيقة أنك القلب. لأنك العطر في الجو، والنجمة في مقلة العين، لأنك الإنسان كما للإنسان أن يرتقي، لأنك الخاشع، لأنك من يُقال له : مازال في الدنيا خير. لأنك من تجعلنا نُحب الغد، ونتوق إلى العودة للمكان، لأنك زينة اللحظة. جريمتك أنك عادي جدًا، تتشابه في خصلة ما مع أحدهم، فيشعر من يلتقيك أنه يعرفك منذ أزمان بعيدة، وأنك تعرفه أيضا، وتدرك عمق جرحه، وأنك تخصه، تخصة وحده. لأنك من يُؤخذ برأيه، و يُعتّد بمعرفته، ويُفتخر بلقائة، كيف لا؟ وأنت سكر معقود في طرف أيامنا، وعلامة الحُسن في دفتر يومياتنا.
لأنك هكذا! فتلك جريمة 
   
يجب أن يكون التشوه جماعيًا ليتم قبولك والمصادقة على وجودك! لذا لا تحاول أن تتوهج فتلك تُعد خيانه! خيانة لقبيلة ضخمة من الأموات اسمها رواّد المصلحة الشخصية. لن يدعوك حتى تموت على طريقتهم، أو تموت جراء مقاومتك لهم، ولأنك اخترت الخيار الأخير... 

 تقرر أخيرًا إغلاق المتجر المُسمى "روحك"، وتعلن عن نفاذ بضاعتك، فلم تعد تقدم الدعم المعنوي للأشخاص الذين كرهوا لك الخير!       
.

الاثنين، 17 أغسطس 2020

حكايتنا- 2

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.



 
كنت  تتمنى أن يفتح الأصدقاء أبواب قلوبهم وأنت من تعتذر عن الحضور، وأن يرحب بك العالم لأنك ترى في نفسك بذور خير تستحق، والنقيض أيضا فقد كنت لتموت بهجة لو تم نسيانك تماما من الوجود. كنت تتمنى حقيقة أن تكون من تختار ما سبق، لا أن يتم نفيك وتجاهلك وتصنع نسيانك عمدًا لجريمة ارتكبتها رغمًا عنك، ألا وهي نعمة وجودك التي أنعم الله بها عليك وجحدها البشر فيك !
فلا وجود للأصدقاء لأنك مصر على التقدم، وهم يتمنون إصابك بالشلل التام، شلل الأمل والحياة.  يُشبهون تجار الدين الذين ينصحونك بالزهد وهم يرفلون في ملذات الدنيا. يصر الأصدقاء أو الأعداء لا فرق أن يبقوا أنفسهم في دائرة حياتك، فهذا يؤهلهم أن يزرعوا طريقك بالألغام وأشياء أُخر! وفي نهاية القصة يأتون لإنقاذك وتخليصك مرتدين أقنعة بريئة !
مستغلين تهذيبك. مبروك للمرة الثالثة والأخيرة!
فأنت أدركت أخيرًا أن العالم لا يتسع للمهذبين، ولا الحالمين. ولأنهم لا يملكون تلك الفسحة الواسعة التي في صدرك، نعتوك (بالمعقد)! فعقلهم لا يستوعب مُطلقًا أنك وبعد نجاتك من الفخاخ التي نصبوها لك واحدًا تلو الآخر، قد كُتب لك عمر جديد بقلب من حديد! وأنه دائما لديك القدرة على رصف طريقك الخاص، وأنك بعد كل دروس الخذلان، قد وطنّت روحك على الاستمتاع بكل مباهج الحياة التي لا تلتقطها بصيرتهم.  

لا يصدقون أن جنة الدنيا في ببيتك العاجي على أطراف المدينة، وأن حديقة منزلك ذات الشجرة الواحدة هي مكانك السياحي المفضل ! حيث مظلة القش، وأسفلها طاولة الخيزران بأربعة مقاعد تستند عليها فلا تقع، ويقع معها عالمك، عفوا أعني العالم. هناك حيثُ تصلي .. تكتب .. ترسم..تتذكر و تغني، أو تخطط لجدول أعمال الغد، فأنت لازلت مخلصًا في أداء مهامك. وعندما تضيق بك تلوذ بسورة (يس)، وتحتمي بدفء عائلتك، أو تهرب إلى داخل موجة.    
.

الأربعاء، 12 أغسطس 2020

حكايتنا - 1

تنويه: هذه الخواطر تحتوي على مفردات غير مناسبة لمن هم فوق الثانية والعشرين عاما.

.

يُقدر حاليًا عدد سكان الأرض ب 7.75 مليار نسمة، لكل إنسان منهم حكاية، لها وجهين، حقيقية وأخرى سعى لجلعها حقيقة.
 لكن ليس بالضرورة أن تكون الأبيض في القصة، لربما كنت الوجه المظلم الذي شارك في افساد الحياة. 
تبدأ قصتك الحقيقية عندما تنهار، يتخلى عنك الجميع، ينتهي كل شيء، ويعم الصمت، بعدها فقط تولد نسختك الأصلية.
 .
 غالبًا تبدأ القصة بصدمة ...
 في البدء تكون قاسيًا مغرورًا أنِفًا، (شايف نفسه)، انتقاديًا، تقارن على نحو مستفز بين لو كنت قائدا لذلك الموقف لتصرفت على نحو أفضل. ثم يأتي موقف عابر، تكاد لا تذكره اليوم، لكنه يقلب روحك رأسًا على عقب، تأخذ الصفعة على محمل الجد!
تتساقط بعدها أمنياتك واحدة تلو الأخرى. لتنبتَ على أغضان وجدانك براعم اُخر، هي أقل من تلك في كل شيء، قليلة جدًا جدًا للحد أنها تشبه الواقع. إنه واقعك، بل قد يتطور الأمر بأن تحلم بأن تبق كما أنت ليس إلا! حلمك العظيم أن ترعى مزاجك! تُقيم سماءك وترصد نجومك !

وتغلق شبابيكك ..إلا من لحظات فجر، لكن أي فجر؟ إنه الفجر بتوقيتك، نعم فقد أصبح لك توقيتك الخاص، فالصبح مثلًا هو الوقت الذي تختبر فيه شعورا جديدًا. لكن يحدث أن يدخل أحدهم توقيتك وهو يعيش الليل بتوقيته فيلقي عليك شيئا من الظلال والشجن، أو ربما آخر دخل عليه الربيع يأخذك معه في رحلة طواف بين غصنٍ ونور، تُدير رأسك ليوم؟ يومان؟  أيًا كان، هي ليست إلا خطفات من عمر الزمن، أرسلها الله إليك رحمةً، لتقترب من إنسانيتك وتعيد توريدها، ثم لا تلبث روحك أن تعود إلى توقيتها.

لا تطمح لشيء ولا تنظر من أحد أي شيء، أنت حر تمامًا من بواعث انتظار الغد. تتسامح على غير عادتك،  تتخلى عن دورك في طابور المتجر لصالح أحدهم لأنه ظل يحدق بك، لتفهم أنه يطلب منك أن تُقدمه لأنه يحمل سلعة واحدة، غالبًا هي من احتياجات الرضّع! 
مبروك ..!
لقد أصبحت قارئًا جيدا لأفكار الغرباء. هذا التغيير يحدث على نحو رتيب وبطيء للغاية إلا أنه مستمر، إلى أن تصل إلى تلك اللحظة التي تتبدل فيها تمامًا واصلًا إلى حُلتك الحالية.
لقد أصبحت شفافًا تماما، متساميًا مع معطيات الحياة، ولربما أسديت نصائحًا لتطوير الذات!
على كل حال أنتَ تستحق، وقد أصبحت خبيرًا ومتحدثًا لبقًا، خصوصًا أنك أظهرت نبوغًا مبكرًا ومن بعد درسكَ الأول فقط، بل أصبحت سيرتك الذاتية تُطلب وملخصها :
رأيتُ كيف تُصنع الأقنعة وتتبدل الأدوار لكن جميعها بطولة! شهدتُ كيف يبني أحدهم سدًا قد يكلفه عمره، فقط ليمنع جريان الماء عن رفيقه. عرفتُ أن الصداقة أضغاث أحلام، وأن النوايا يتم تصويرها بال xray فطويتُ ذاتي في ذاتي، مِتُ لكني لازلت أتنفس.

لم تتوقف يوما وتنتبه لهذا التبدل، مطلقا لم تشعر بتسرب ذلك الأنا منك واستبادله بآخر. لقد افقدتك تلك الصدمة الصغيرة الشعور بالزمن وبالحضور، كنت تريد فقط النجاة بشكل يحفظ كبرياءك.
حتى أحضر لك النادل خلاف طلبك، وعندما شرعت بالأكل نبهك رفيقك، ألم تطلب اللحم المدخن؟ آه حقا! لكنك تصمت، وتقبل بالخطأ وبالوجبة رغم أنها خلاف ذائقتك.
مبروك للمرة الثانية فقد وصلت أخيرًا  لمرحلة غياب المتعة.
.

الجمعة، 7 يونيو 2019

عندما أصبحتَ بيتًا -5


 

هذه السلسلة من الكتابات مهداه لأول إنسان تبحث عنه وتهتف باسمه مناديًا عندما تدخل لبيتك 


ونحن معك كأننا في الخارج للتنزه، بل وكأننا في الداخل للخلود للراحة. لا تسألني مع من أتجاذب أطراف الحديث في حديقة البيت، فيحدث الالتباس بينك وبين أشباهك من الزهور على مبتدئة في الجمال مثلي. ولا تحدق بي كثيرًا عندما أُخذل من أحدهم فسأبقى حمقاء لا أتعلم، ففي كل مرة أنسى وأُفصّل إنسانية الآخرين على مقاسك !!

لأنك المدرسة الأولى والوسطى والأخيرة ! تخرجنا منك بامتياز مع مرتبة الشرف.  وتأثيرك الوَّضاء أشَّع من أيَّة عتمة، للحد الذي يُحدِث لنا غسيل دماغ لِمَا في الخارج ، فنكرر التجارب الخاطئة ونتعثر ونعود إليك يا مرفأ المراكب العظيمة و المنسية، ومهجع كل ربيع مر في العمر ولم يأخذ حقة من الاحتفاء .

ننتقد و نتمرد. ندَّعي أننا أبطال وسنفعل شيئًا مختلفًا، نعتقد أن العالم كان ينقصنا لنصحح الأوضاع ونمسح الرماد عن الوجوه ! ثم في النهاية، نتفاجأ أنها النهاية! ولم يكن وجودنا إلا موسم من مواسم المطر وشكل من أشكال الغيوم العشوائية التي تعبر فوق رؤوس الطلاب في الطابور الصباحي، دون حتى أن يسترعي انتباههم ذلك الترتيب المتجدد للسماوات الصغيرة.

ثم نضجر من أنفسنا ومن كل سور أحال بيننا وبين أحلامنا، والمفارقة أننا مع الوقت نصبح بكياننا أسوارًا دفاعية لحماية القلب وباقي المجموعة . فيبدأ التشافي والقبول، تهدأ العواصف ويعود الكبد لمكانه فاقدًا قطعة منه، يستأنف القلب عملة  بإصاباته البليغة، والشرايين تستمر بالوصل والعطاء رغم إنهاكها.

وأخيرًا يعلن الاطباء أنك سليم وحالتك مستقرة! تتلقى تهاني وتبريكات المحبين فتُقنع عقلك بأنك سعيد وتبتسم للجميع ابتسامة مختلفة. ابتسامة العارف والمتعلم الذي استحق مرتبة الشرف تلك. ليعم الصمت والهدوء.
تستمع مُطولًا وتقول رأيك ناقصًا. تصبح الإيماءة لغة من فرط الإنسجام أوربما من اليقين بعدم جدوى الكلام!  تعطي كثيرًا. ولم تعد ترغب بالمزيد من أي شيء ، وماسبب لك الألم في الماضي أصبح باعثًا على الضحك . لاشيء يثير حفيظتك، لا ترغب أن تعجب أحدًا ولا أحد يعجبك . تشعر أنك مُتخم وبأنك عالم فلم الحاجة للعالم ؟

ويصبح أقصى المُنى العودة للديار .. لك أنت

 فأنت الدار العتيقة المعجونة بذرات النور والسمو ، القهوة والهيل، الذوق الرفيع للحياة، يا خلاصة العذوبة وحجر النقاء، يا قواريرًا من الحب والإيثار والتضحية والاحتواء مصفوفة على طاولة زينة تسمى الفضيلة. يا "تباشير الصيف"(1) و"قلم شكر"(2) كل الفصول، يا بيت البيت، الذي على أكتافه حطت رحالنا، حالنا كحال بلابل وليدة ضلت طريق العودة، فأصبحتَ الذود والحمى، دمت  عامرًا بالخير واليُمن والمسرات.

2،1 : مصطلحان في شبة الجزيرة عامة 1:  يطلق على بداية موسم جني الرطب
                                                    2: تسمية  لقصب السكر






الجمعة، 31 مايو 2019

عندما أصبحتَ بيتًا -4


.
كم مرة سمعت " محلو اليوم ؟"  أنت تدرك يقينًا أنك أجمل بقرب انسانك البيت ، وبدافع أناني تصر على السكن فيه. لذا ومن أجلك أحبِبْ بيتك وكن جديرًا به ، لتدوم جاذبيتك !

والدعاء أساس " الإنسان البيت"

تشعر أنك محلق رغم أنك على الأرض، أنت صامد لكنها ليست قوتك. حيوي وتفيض بالضوء لكنك لازلت طينًا. حالة ابتهاج غامضة تتلبسك. تأكد أن السبب هو دعاء أحدهم لك في عالم غيبي مُشرق لا يطاله حدسك. اقبل الهبة ، استمتع بها. واحمد الخالق أن ألهمك لتسكن ذلك الإنسان.

أما نحن، الصامدون في وجه الأقنعة
مازلنا نلتقي في مخبأ سري، اسمه الدعاء.
وسيبقى سريًا لن يهتدِ لممراته الليلكية أي كان. بل عليه أن يمتلك عينين صادقتين تطرحان وردًا وماء في كل المواسم، فهو قد يبكي تعاطفًا مع إنسان لم يلتق به. ويهب بنفس راضية  شيئًا ثمينًا رغم احتياجه إليه فطبعه " المَلوكي" حتمًا سيأخذكَ معه لعالم الرفاهية والجاه لكن ليس كما يتبادر للذهن، غير أنك ستفهم المعنى عندما تصل لهناك .
وهكذا كلما مستْ نظرته حجرًا ، استحال لزبرجت عقيق وأضِف للمجموعة  اللازورد.  وكريم الروح كان سخيًا حتى في رؤاه فغدا صدرة عشًا لقلبٍ ذهبَ بأحلامه إلى الجنة، وعاد مُحبًا لأخيه ما أحب لنفسه* ، هذا هو الإنسان البيت.

لذا  ..
عندما تعاتب إنسانك البيت قل : أتذكر عندما كان دعاؤك بيتي ؟ أنت هنا الآن لكن أين الدعاء، وأين البيت ؟
فقصص الحب تستحق النضال وهي قصة حب لكنها ليست من ذلك النوع !

وأنت ؟!
عندما تناورك حمامة لتحط على كتفك  أعلم أنك قد أصبحت بيتًا لأحدهم . وأصبح لزامًا عليك أن تصغي لتعليمات الطبيب وتعيد النظر لقائمة طعامك وتتأكد جيدًا من خلو الطريق قبل عبور الشارع ، لتعبر ويعبر معك ساكنيك. وبكل أسف لن تصلك وقتها رسالة نصية تبشرك بالفوز بما يعادل وزنك ذهبًا، لكني أخبرك من الآن إلى آخر الوجود ونيابة عن ساكنيك،  أنك الفائز وأنك أغلى من جميع أوزان الذهب مجتمعة.  وأن مقامك من مقام الوطن.

______
* مقتبس عن حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه

الجمعة، 24 مايو 2019

عندما أصبحت بيتًا -3

.
في العالم بيوت كثيرة وأبواب أكثر لكنك تعرف في النهاية أن لك بيتًا واحدًا، وهكذا مع البشر !
 .
في المقابل؛ أنت قد تكون بيتًا لساكن واحد اثنان ثلاثة أو أكثر ! لست أنت من تحدد من يرتاح إليك. فلن تتهرب منهم بقولك: عفوًا لم أقصد أن أكون رائعًا، أو دعني أعيد صياغتها: أعتذر إن رتبت هيئتي كوطن.  ولا حتى مسؤولًا عن تهيئة أركان روحك للساكنين، بل لأنك أنت وكما أنت ، جعلتَ من روحك حضارة، مكانك تُويج ياسمينة ، والزمان الرتيب قوس مطر.

أحبوك نعم؛ لكن من أجل أنفسهم . وكالذي يدرك بديهة تفاصيل منزله: الأريكة المُفضلة ، ركن القهوة أو زاوية الكتب، يعرف ساكنيك ما الذي يبهجهم فيك ويجعلهم كالأطفال وديعين ساكنين في حضرتك، متدثرين بالأمان من أخطار الطريق بل وقطّاع الطرق !
 .
هنالك من تقابله وكأن صوته يسبق حركته، و نوع آخر كأن صورته منعكسة على شاشة ما؛ مهزوزة تشرد حدودها عن مضمونها. أما نوع "الانسان البيت" فكل مَلمح، مَلكة أوعادة، في اتساق تام. اللون طافح بالحب والحياة، والصوت مقتبس من هديل حمام المساجد، ورقراق كجداول فردوس مُتخيلة !  هكذا هي عطايا الله-عز وجل-.

"الإنسان البيت" يكون خفيف الروح، وخفّة الروح تعني الائتلاف دون الحاجة لاشتباك الأيادي ولا لتكرار النظر لخارطة الطريق، والانتقال بانسجام عفوي من الحزن للفرح ومن الغضب للتسامح ومن الحلم للواقع كأثير، تمامًا كتداخل الليل ببعض خيوط الضوء أوّل الفجر رويدًا رويدًا لننتهي إلى الصبح. 

 هي علاقة عميقة بسيطة فيها أقل قدر من الآخرين لكن التآزر يحفها والرحمة وتدها. أفرادها مكتفين بأنفسهم منشغلين بسعادتهم، لا الحزن يكسرهم ولا الواقع يهزمهم.
إنها حقًا قصة حب لكن ليست من ذلك النوع !
.

الجمعة، 17 مايو 2019

عندما أصبحتَ بيتًا -2


.
أعرفُ أنك تُميز الذي يخصك من بعيد ومن بين الحشود ولو كان ملتفتًا للخلف. ولا أنسى قدرتك الخارقة على معرفة أنه كان هنا دون أيّة مساعدة. إنها حاستك السابعة، والتي تتبدى فقط عندما تصبح بيتًا. وليس الجميع يتمتعون بهذه الحاسة، لكنكم فوانيسًا موزعة على أنحاء الأرض سيدات وسادة، نستدل عليكم من أنفسنا عندما نعود أطفالًا في وجودكم ننشُد لفت الانتباه.

واليوم ..
هل تذكر مغلفات بذور زهرة الكاميليا المهملة قرب أصص الرياحين؟  تلك التي ابتاعها أحد ساكنيك بحجة أن مغلفها بديع؟ لم نكن نحتاج للفطنة لندرك أنك من بادرت بزراعتها، ثم عندما انكشف الأمر وقبل أن نجزم أنه من المستحيل أن تنمو وفي هذا الوقت من العام تحديدًا، تحديت الجميع.
بربّك ؟ كيف لنا أن نتوقع أن النور كان من مهجتك والدفء من قلبك والماء من بقايا وضوءك، لتفاجئنا ذات صباح بأنها قد أزهرت، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حدقتيك زهرتي كاميليا تُجملان لنا الواقع، وأنفاسك طيب يضوع في المكان أمنًا وسكينة.

 وأنت الوحيد الذي تعامل مع الإنجازات الصغيرة على أنها عظيمة لأنها كانت كذلك فعلًا لكن في بعد آخر من الوجود، وانتهج عادة: كل يوم على الأقل درهم واحد صدقة، قائلًا مكورًا كفيك جهة قلبك؛ أنك ستكسب ما يعادل ثلاثون حسنة في الشهر، ثم واصلت العد كالصغار ملامسًا أطراف أصابعك بشفتيك : ..وفي العام أممم ثلاثون في اثنى عشر شهرًا ..

وقبل أن تكمل العد تربت على جبينك جَذِلًا، لتُعلن أنها حسنات جمّة وأنك تفضل أن تبقيها مفاجأة لنفسك، مستمرًا بالتربيت على الجبين والفراشات تتطاير وكأن هناك من أزعجها في روضتها . فكيف يُخجل الله كائنًا مثلك ؟

ونحن أيضًا نريد أن نكون معك وضمن إحداثيات روحك، تشملنا خطوط الخير ودوائر الحب، أمّا الخير خيرك والحب منك وإليك.
وهكذا ولأسباب متشابهة أو مختلفة يختار البشر أن يسكنوا إنسانًا بعينة.
.

الأحد، 12 مايو 2019

عندما أصبحتَ بيتًا -1


.
تدخل لمكان عام تزورة للمرة الأولى، لكنك ولسبب مبهم تشعر بالألفة والأنس، ثم بعد لحظات يظهر لك وصدفة شخص تحب وجودة جدًا جدًا. 

هي قصة حب، لكنها ليست من ذلك النوع ! 
بين عالم وعالم، مصير ومصير ،  إنسان وروح لكن على هيئة بيت. 

فالبيت ليس فقط غرفة ضيوف، مخدع نوم، طاولة طعام، أو مطبخ تحول تدريجيًا لغرفة جلوس يحوي مُشغل اسطوانات قديم لكنة لا يزال يبث الشجن بنكهة سلطة الرمان ومزاج القهوة، بل هو كل ذك.  كذلك "الانسان البيت" ليس حبيبًا/حبيبة ، أبًا/أمًا ، أخًا/أختًا ، صديقًا/صديقة بل هو "الكل في الكل".  وعلى مهل يتحول هذا الانسان لدفتر يوميات تعبق صفحاته بالطمأنينة وأن كل شيء سيكون على ما يرام . 

 " الإنسان البيت"، يفرش لك سجادة سجيتكَ لتتهادى فوقها. تُقصر؛ فتتحجج بالطقس الحار وغبار الطريق، تنسى؛ فتلقي باللوم على ضيق الوقت، وأنت لم يكن يشغلك حقيقة سوى الدلال على أرجوحة أضلعة. ودون حرج تبعثر عيوبك في زواياه كما تبعثر أمتعتك هنا وهناك عند وصولك للدار بعد يوم شاق. فأنت تعرف أنك مُسامَح. وأنه باق، فالإنسان البيت لا يغادرك مطلقًا بل أنت من تذهب وتعود إليه.
 إنسانك البيت ينثر النجوم في عتمتك، يفتح شبيابيك روحك لحُبيبات الطلع والعصافير الصغيرة، يجدد إيمانك أن هنالك من يفهمك بلا كلام منمق و حتى بلا كلام، حيث لاحاجة للتبرير والتفصيل فقط الغناء المُرتجل هو سيد الموقف.

يقنعك بأنك لست غريبًا بل العالم غريب! وأن مكانك بقي خاليًا في مكانه ينتظرك، وأن انتظارك هو حالة خاصة من حالات البحث عنك! يستدرجك لتفصح عن أمنيتك الخطيرة والمتمثلة في إخراج رأسك من نافذة سيارة ما تسير في نفق ما، وتُطّير شعرك وذراعيك في الهواء، لتصرخ فرِحًا بآخر بيت شِعرٍ علق في قلبك، دون أن تكترث للآخرين، لأنه الآخرين وهو الكل في الكل أوَ لم أقل هذا سابقًا ؟
.


الأربعاء، 18 يوليو 2018

مُعجزة اسمها الحنين -3

.
الحنين ليس منك فقط بل هو أيضًا إليك.  ألم تكن في يوم ما مكافأة في حياة أحدهم ؟ ألم تكن نعمة، أو سببًا في أن يستعيد ذلك الشخص ثقته بالعشب؟ أو حتى أقل من ذلك بكثير، ألم تكن دافئًا مُسالمًا ؟ أو حتى صامتًا برضا؟ تأكد إنهم يحنون إليك الآن وللوقت الذي جعلته وصْلًا. هل تذكر كيف كانت الأمكنة قبل حضورك مشهدًا ساكنًا كلوحة رسمها فنان محترف لكنه لم يسمح للحياة بالدخول في بروازها ثم أتيتَ أنت وأتيتَ بالمعاني والحدائق معك .  ومن ذك زهّر الأنس بين أكتاف البشر، ومن الأنس تكثف الحنين على صفحات الأيام ناضمًا أشعارًا يومية مبهجة .كل يوم قصيدة جديدة، وهكذا إلى آخر العمر ! هذا ما صنعته وتصنعه أنت ، أفلا تستحق أن تُعامل كقطعة نادرة نفيسه ؟

والآن، سيلقنونك أن تخجل من طفرات الحنين، لا تهتم. إنه قلبك يصلي، فهل تُقاطعه؟ هكذا يحمد القلب الوفي خالقة على النعم القديمة. سيتهمونك بفرط العاطفة، قل لهم: يروق لي ذلك! وتأكد أن من ينتقدونك في العلن يمارسون الحنين في الخفاء! فالحنين مس من الجنون يحتاج مغامرًا مثلك يجاهر به. هو زمن جاء من البعيد مُحملًا بأجيالٍ من مسراتك العتيقة، علامات بارزة في تاريخك الشخصي المجيد، هو هدية إلاهية لتسري عنك. لحظات خشوع مضيئة خلال يومك فلا تردها أو تقاومها.

تأملٌ صغير في أجسامنا لندرك أنها ليست عبارة عن دورة صغرى وكبرى فقط، بل أيضًا مجموعة من الذكريات وحزمة من الأماني، وإن كانت سطوة الماضي أكبر بكثير من المستقبل عكس ما يدعو إليه رواد التنمية البشرية، والدليل أننا كلما نحل على مكان جديد، نسارع إلى اكتشافه وتهيئته ما استطعنا ليلبي تطلعاتنا وراحتنا أو بعبارة أخرى نُهيئ منزلًا مناسبا للحنين، ومن هنا تصبح تجربة الحنين مُحركًا خصبًا لخططنا المستقبلية، مِنْ ما نحن إليه نستمد أفكارنا وبهاءنا ومنه تتعتَّق خبراتنا الإنسانية لننتشل أنفسنا في لحظات المغيب، ومن حصاد الحنين وتجاربنا نعيد ترتيب أوراقنا وأولوياتنا، للأننا نريد شيئًا شبيهًا بفخامة ودفء الحنين، لكن بصورة مُعدلة، وهذه هي الأماني، أليس هذا هو ذاته المستقبل ؟ فالحنين زمنٌ مُعَشّقًا بالشعور ماضيًا كان أم مستقبًلا ، إلا أنه زمنًا في طور الشيخوخة والحكمة .

هل عرفت الآن لماذا نرى تلك النجوم والومضات المضيئة عندما نفرك أعيننا بشدة؟ هي ليست biophotons  كما فسرها العلماء، بل ذكرياتنا الجميلة، تطفو في الحاضر كلما استدعاها القلب وحن إليها. وإن كان الشوق والحنين لا يحرق سعرات حرارية كالضحك، إلا أنه يولد سعرات سعادة ينبضها القلب، لنكمل من حيثُ ما انتهينا لكن مع مراعاة فارق التوقيت في هذا الكون الشاسع المُسمى " الروح" فأنت لا تعلم متى سيداهمك الحنين أو أي طرف من كيانك سينال. فحنوا ما إستطاعت قلوبكم إلى ذلك سبيلًا. إختاروا من تعاشرون بعناية، انتقوا أحباءكم، اعتنوا بأيامكم ولحظاتها لأنها مستقبلكم وستحدد خياراتكم القادمة.

والآن هل لا زلت تخجل من حنينك ؟ لا تفعل أرجوك !  بل عشه واتبعة، اصنع طبقك الشعبي، ابحث عن أغنياتك وأفلامك القديمة المفضلة، زر أماكنك العتيقة، أحط نفسك بما يُشعرك بالعراقة، كن متفردًا بعاداتك معتزًا بها وأضف إليها لمستك الحالية، لا تكن نسخة مما هو موجود فالعالم ليس بحاجة للمزيد منهم ! لكني لا أنصحك مطلقًا أن تبحث عن من تحن إليهم وتعيد التواصل معهم، لأنك ستُكسر ! وتجد أن الجميع قد تغير إلى الوراء و انضم إلى عصابة ما ! كوّن عصابة خاصة بك أعضائها أفراد أسرتك وسمِّها عصابة الحب !  

.
أحن إليك مُسبقًا !
قبل الموسيقى
و قبل الشروق أو وسط  الحشود
قبل الأسماء والوفرة
قبل الفنتازيا والحقيقة
والممتلكات الفخمة وتذاكر العودة والاياب
والماس واللمعة ،
تعرف أن كل هذا لا يعنينا
قبل وبعد الطفرات الجينية !
أحن . .
فقط للشيء الأصيل والحقيقي فيك . .
غصن أخضر وذكرى لطيفة تكفي لتصبح أسطورة
أنت ؟ على الدوام مرحبًا بك
حللت أهلًأ ووطئت روحًا
فعليك السلام يا كل السلام.
.

الحروف العربية التي ظهرت في تصاميم هذه الثلاثية كانت من مقال الأستاذ خالد محمد خالد: جرعة من الخط العربي.  

السبت، 14 يوليو 2018

مُعجزة اسمها الحنين - 2


 
الكتابة عن الحنين بمثابة اللكز على جرح ما، ذلك أننا لا نحن إلّا لما فُقد. وكلما تقدم الزمن تقادم الحنين فينا وازداد الجرح عمقًا، فالحنين ليس خطّة في أجندة أعمال، بل هو شعور يداهمك فيصبح هو الخطة وفيه المكان وإليه نشُد الزمان. هو تأكيد منك على تاريخك وحالة رضا وحبور بأقدارك وإنما بأثر رجعي !

الشعور بالحنين يعني بذل أقصى قدرة لقواك العقلية في وقت حزين يفرض ظلاله على خلاياك، أنت ترفض واقعًا ما، فتلجأ للرجوع للخلف كأن تستعيد شعورًا بالبهجة نسيتَ أن تعيشه في وقته كما يجب، لكنه شعور مغلف بالشجن أيضًا ! هذه الخلطة المبهمة هي بمثابة حالة انعاش لقلبك ليعود قارئًا لتفاصيل الحياة. الحنين سيجعلك أقوى، أشد إعتدادًا وعنادًا لما يروقك، أكثر عطفًا بالغير. أما الذين لا يحنون فبإمكانهم الإنضمام لمتاحف الشمع أو اعتبارهم من ذوي القدرات الخارقة !

 أحن للكثير لأنني إلتقيت بأشخاص جميلين في معظم مراحل حياتي، ولأنني أستخدم حواسي جميعها في التعامل مع الحدث، أحن إلى تسريحة ذيل الحصان، والغرة التي تدعي المعلمة أنها تعيق الرؤية وللمعلمة التي أدعت ! ولرائحة التراب بعد سقوط المطر في رحلات البر في أقصى ركن في الذاكرة وأغنية " أحب البر والمزيون أحب البدو والأوطان" ولأجندة أبي العشبية، أحن أن أبحث عن أمي وهي أمامي تتماهى بين شجيرات الورد التي تزرعها في حديقة البيت وتندمج مع أغصانها، فتصبح جوريّة وتمسي شجرة خزامى وبين الأوقات هي ياسمينة على هيئة إنسان.

 أحن لظني القديم في البشر أن يعود حسنًا سليمًا بعد أن خذلنا الكثيرون باكرًا، ولأسماء أخوتي جميعهم تعود واحدًا تلو الآخر في "دفتر العائلة" كسلمٍ موسيقي ينشز إن فُقد أحدنا ولاسم أبي يعود ربًا للأسرة، ولأنني أعلم يقينًا أنه لن يحدث، يصبح الحنين ملجاً ثم بمرور الوقت وطنًأ ! وكما يبحث المُهجّرون عن مأوى نبحث عن ذكرى نلوذ أسفل فيئها بل ولنا حق اللجوء الوجداني لأرواحنا القديمة، فهل  نتخلى عن حقوقنا ؟
       
أشتاق لطفل يقرر في وسط "اللعبة" أن يكبر ويصبح رجلًا فيخلع نظارة أخته الصغرى ثم يمسح زجاجها ببطء وعناية بطرف "كندورته" ويعيد إلباسها بحذر أكثر، وهي تنتظر مفتعلة عصر عينيها رافعة جبينها للأعلى وكأنها على موعد مع غيمة ما لترش وجهها بزخة مطر. ونحن أفراد العصابة الصغار ننظر وننتظر إنتهاء هذه الزخة وكأنه في كل مرة يحدث لأول مرة، لنستأنف بعدها كلٌ ودوره في " اللعبة".

كبرنا، وتعقدت "اللعبة" !  جميعنا شعرنا في لحظات ما بعدم الرغبة في إكمال لعبة الحياة ، لشعورنا بالظلم و أن هناك غشًا في النتائج وبعضنا لم يكن يلتزم بقواعدها، لكننا في النهاية نتماسك ونستمر لأن ما ينقذنا فعلًأ هو القدرة على الشعور وبالحنين تحديدًا.

الحنين ليس ثوابًا فقط بل هو عقابٌ أيضًا، لأنه تمامًا كما قال أحدهم إن أردت أن تؤلم إنسانًا أترك له ذكرى جميلة وارحل !

ومازال للحنين بقية


الأربعاء، 11 يوليو 2018

مُعجزة اسمها الحنين -1




.
تقول الأسطورة :
كلما اعتراك حزن مُفاجئ دونما سبب واضح فذلك يعني أن أحدهم - وغالبًا ما يكون بعيدًا عنك- يَحِن ويشتاق إليك بشدة، وأنه لفرط حنينه يؤلمك !

أغنيات فيروز معظمها قصص، نهايتها الحنين سواء عرفت "لمين" أم لم تعرف. بينما يشدو ميحد حمد " لوّل معي زايد غلاكم . . واليوم مالي في معاناكم"، هكذا بكل بساطة يأتي بشعورة القديم من زمن قديم عُنوة ويعيشة بل ويغنيه، ثم يعيدة مُتراجعًا إلى ما أفضت به الأيام، لكنه ينتقل هكذا بين الزمنين بعد أن أستقل مركبة الحنين ! وفي الجانب الآخر وردة تصرخ مُطالبة بمعجزة تنقذها من الحنين، لكن أليس الحنين في حد ذاته معجزة ؟ لها القدرة على تصفية الصور وتحسينها، رغم أنها صورة بعيدة إلا أنها قد تكون أكثر تشبعًا بالحياة والألوان مما كانت عليه في الواقع، لأن الإطمئنان يغشاها،  نستحضرها بعد أن عرفنا ما آلت إليه الأمور. 

بطريقة ما تمضي الحياة وفق نسق ينتهي بأن نمر كل يوم بتجربة الحنين، إنه فن ممارسة الأمل ولكن بصيغة الماضي ،ولو كان للحنين جسد مادي لكان هو ذاته الوطن الذي نعيش على تُرابه، هنا حيث نمتلك بيتًا كبيرًا كان أم صغيرًا، وأثثناه، غادرناه، عدنا إليه وغادرناه ثم أخيرًا عدنا إليه، خلقنا لأنفسنا روتينًا معينًا، وعادات خاصة، فيه تعلمنا شيئًا لا يعرفه أحد سوانا، شيئًا غامضًا منح كلٌ منا نظرته الفريدة، ويجعل الآخرين يميزون الأخوة وساكني المنزل الواحد دونما إشارة منهم. لمنازلنا نعود مولين ظهورنا قبح العالم، إليه رجعنا متلهفين بعد إنتهاء يومنا المدرسي لنطبق درس تجربة "العلوم" وزرعنا حبوب الفاصولياء في قطن أبيض بلون الحلم، وفيه كنت أختفي كل أربعاء في مخبئي السري برفقة مجلة ماجد منتشية برائحة ورقها.

أمام عتبات بوابته أنتظرتُ وأخوتي أبي ببدلتة العسكرية، قادمًا بطلعته المهيبة من " سويحان" ، " الحمرا" " القاسمية" أو " المرقاب"، مُتألقًا بجبينه الأبيض العريض كقمرٍ استثنائي طلع في عز النهار، ماشيًا مشيته العسكرية كحركة غريزية وإعتيادية في المسافة القصيرة بينا ، حاملا بيدٍ كيسًا يحتوي حلوى kinder surprise  بعددنا ،يوم كانت قطع ألعابها الصغيرة تحتاج لتركيب فعلًا  قبل أن تفاجئنا الحياة بمفاجآتها، طاويًا في اليد الأخرى جريدة الخليج ورائحة عطر dunhill تأتي معه من مكان بعيد بعيد بعيد ،ثم تغيب في مكان لا معلوم هناك حيث تتجمع دموع البشر بعد أن يذرفوها.

هذا هو الوطن حيث نمارس أنفسنا، وكأننا قطع فنية ثمينة وكل شيء مسخر للحفاظ علينا وهو ذاته الحنين، لأنه ببساطة ذوقنا وما يعجبنا فجعلناه عادات لنا، وبنينا له مسكنًا ملأناه بكل تلك الحاجيات والعادات وأسميناه "بيتنا".

وأنت ؟ لا تكن حجرًا وقد خلقك الله إنسانًا ! دع قلبك يعزف موسيقاه كما يُحب، اذهب معه حيث سيأخذك إلى باقي أعضاء الأوركسترا و لزمنك الجميل. (الزمن الجميل) مصطلح اخترعه الناس تعبيرًا عن القديم الجميل،  فمن الواضح أنه ليس قلبي وضواحيه من يعانون من أعراض الحنين، بل جميعنا ومهما اغتربنا لا بد أن نحط أخيرًا في وطنٍ يدعى الحنين.

وما زال للحنين بقية 




              

الجمعة، 23 سبتمبر 2016

خطوط الضحك والأحزان























مقطع من قصة تأبى النهاية
كنتُ متفائلًا، نجحت في الوصول للسطر الرابع في محاولة مني لأكون في الصفوف الأمامية، المكان يعج بالفتية والفتيات، ألوانٌ كثيرة وكأنهم يخلقون ربيعًا من نوع آخر.
بدأ الحفل، كنتُ متحفزًا لسماع نص الرسالة الفائزة، وفي أعماقي أرجو أن تكون رسالتي. أُعلن اسم الفائز ... الفائزة، آه ... لم يكن أنا، كانت فتاة تُدعى مريم. 
أدار الجميع رؤوسهم متطلعين إليها، كانت تشق طريقها قادمة من أواخر الحشد، بدت كسيدة مهيبة وهي مقبلة، اقتربت من المنصة بوجل. شاشة الحفل من خلفها تُكبِّر وجهها، وكنت مع الحضور أرقب أن أسمع نص رسالتها الفائزة بصوتها، ولبرهة غمرتنا جميعا بنظراتها التي بدت كأمواج قادمة من رحلة بعيدة، ثم بدأت بعبارة :أدري ... ،أدري أنك لست موجودًا . يا إلهي  ! هذا الصوت الصافي من كل شيء، الرائق كنهرٍ جارٍ من الجنة ، جعلني أقدر أنها طفلة لا تتعد السابعة عشر ! ...رغم حضورها الآسر بدت خائفة و صوتها مترددٌ وكأنها تتمرن على الإلقاء في غرفتها الخاصة ،لكني أدركتُ لاحقًا أن هذا هو أسلوبها في الكلام .

أكملت نص الرسالة :
أدري أنك لست موجودًا، لكني على يقين أنك هنا بطريقة ما، أريد أن أخبرك أن جميع ما قلته كان صحيحًا، وأننا لا نتعلم من دروس الحياة إلّا بعد أن تُؤخذ قطعة من قلوبنا.
لابد أنك كنت تعني أنني أكون أكثر جدية في العمل وفي إتمام الأمور على أفضل وجه وأنني أعامل الحياة برسمية أكثر على حد تعبيرك  عندما أكون حزينة أو غاضبة ! لكني اكتشفتُ وهذا ما أحب أن أخبرك به الآن، أن الجميع كذلك، ربما سيتبادر للذهن، هل على البشرية أن تكون حزينة أو غاضبة بهذا الشكل المؤسف لكي تبني حضارتها ؟ ولماذا نفعل شيئًا لا نحبة وإن اضطررنا لذلك أليس أسهل علينا أن نُحب الشيء الذي نفعله ؟

أرخت عينيها و كأنها تنظر لطفل تحمله بين ذراعيها ، أكملت دون أن تقرأ من الورقة :
رأيتُ دموعك لمرة واحدة في حياتي، كانت تلك المرة عندما اُعلن وفاة موحد بلدنا الشيخ زايد، هزمتني تلك الدموع وكأنك أعرتها لي لتكون وضوء روحي لتتوب من التعلق في يوم ما، التعلق بروح أخرى وإن كانت روحك، الآن أستطيع القول أنها كانت نقطة تحول في طريقة تفكيري وتعاملي مع تفاصيل الحياة.

عادت تبعثر نظراتها علي الورقة وكأنها توزع بذورًا في بستان الرسالة :
علي الاعتراف أنك كنتُ نجمي على هذه الأرض، فالمرء قد يصادف في حياته نجومًا أرضية. تعبر بهدوء كظاهرة كونية في أفق أيامه ، لا تتكرر أكثر من مرة أو مرتين إن كان محظوظا ، عليه أن يكون يقظًا ولا يفلتها، هؤلاء هم الصامتون الملهمون سيضيئون لك طريقًا، أو يصنعون من أجلك يافطة تحذيرية، وقد يحولون أضلعك الخائفة إلى غصون خضراء، ثم سيغادرون بهدوء بعد أن علموك كيف تكون أنت نجمًا لأحدهم ! 
ونحن صغار نسأل كثيرًا  لنجمع الحقائق ، لكن إدراك الحقيقة يختلف كثيرًا عن معرفتها ! نعم، فنحن نبقى في سن الطفولة فترة قصيرة، بينما سن النضج هو الأطول ليطول إدراكنا وفرحنا وربما ألمنا وشقاؤنا. ورغم ذلك أعتقد أننا حقيقيون أكثر ونحن أطفال،  سألتني مرة ماهو حلمك، فأجبتك : أن أصبح قاموسًا أو مدينة ، سأقول لك الآن انني قد قطعت شوطًا كبيرًا لكنني أبتعدت عن طفولتي ...أعني  حقيقتي كثيرًا .
ما أن نكبر نعتقد أننا نستطيع الاختيار، نجتهد في تنسيق حياتنا ، بينما لو جربنا الخروج خارج إطار اللوحة للاحظنا شذوذًا ونفورًا غالبًا سببه تحيزنا القلبي.

رفعت وجهها إلينا وأمالته قليلًا باتجاه اليمين إلى الخلف من حيث خرجت من بين الحشود في البداية وكأنها تبحث عن شخص بعينة وأكلمت :
والآن دعني أذكرك بثلاثة حقائق أنت تعرفها وتعرف أنني لم أكن أعرفها حتى مررت بكل ما قد يمر به أي إنسان وما يقود لأن تظهر تلك الخطوط في وجوهنا أقصد خطوط الضحك والأحزان. أولها أننا لا ننسى ليس لأننا نعجز عن النسيان، لكننا لا نرغب فعًلا بالنسيان ، ربما لأننا لا نريد أن نتخلى عن ما جعلنا (نحن)، نحن الذي نعرفة ونشعر اتجاهه بالألفة والسكن. وثانيها أن ليس للوقت مفهوم واحد لكن في الوقت نفسه الوقت لا يختلف مطلقًا لمن يحمل ساعة مرصعة بالياقوت عن من لا يقتني ساعة مطلقًا. ثم إن ما يبقى من الوقت قليل وهو الشيء الحقيقي أو قد ما يُسمى ذكريات، من ذلك كلة بقيت الساعة التي رسمتها على معصمي بالقلم الأزرق الجاف عندما كنت في السادسة ساعة حقيقية، هذه الذكرى تستجلب معها دفء وبريق غامض هو ذاته الذي يتبدى عندما يحن المرء لشيء أثير أو يشفق إنسان على إنسان، ربما هذا الإلتماع الغير مفسر في العيون وارتعاش الصوت هو بريق حجر القلب، وهو حجر كريم تتمنع البشرية عن اكتشافة لأن ثمنة أن تُعطي. يُصقل القلب وتتساقط قطع منه فيلمع ونتألم ونتعلم، أوَ لم أقل هذا سابقًا؟.   ثالث الحقائق أن معظمنا يُصرف حياته في  البحث عن المفاتيح ، مفتاح النجاح ، الحب، التوبة ، الأمان ، في حين أننا نُولد وهي بحوزتنا ومهمتنا هي البحث عن الأبواب والاستعداد لمواجهة ما خلفها.

خفضت نبرة صوتها وكأنها تُحدث نفسها بل كأنها تحدث كل منا على انفراد حديث خاص، من الواضح أنها مستمتعة باللحظة   :  
لماذا تلك الحقائق الآن ؟
تلك الحقائق تقول : عامل نفسك أنك الشخص الذي ينتظر الآخرون قدومه ليضيء لهم المكان وأن الزمن كاد أن يقف لولا أنك قد حرَّكت الحدث ، وأنك الذي تعرف وتقول ما تعرف إذا كان حسنًا وتصمت وكأنك لا تعرف إن لم يكن مناسبًا.  انظر لذاتك على أنك الأكثر تسلية على مر العصور، تواصل مع روحك وكأنك روح أخرى معجبة بها بل وأعجب بها فعلا، لا تنتظر أن ينقذك أحد، كن بطل نفسك.
 لِمَ تنتظر العيد وبإمكانك أن تكون عيدًا ؟
 لا تُسيِّد أحدًا على قلبك لكن دع كل شيء مهما صغر يحرك قلبك. لا تكن مصممًا كصخرة يلزم أحيانًا أن تدع الأشياء تحدث. امش باتجاه الطريق القديم لكي تعرف وتمتلك مهارة أن تهندس طريقك الخاص.لا يكفي ذلك! يجب أن تحبة لكي يخضر فيفضله الآخرون ليتبعوك عندها فقط سيُسمى طريقًا .هل تشعر الآن بثقل مسؤوليتك اتجاههم ؟ تذكر فقط من كنت و كيف بدأت.
لا تتدخل فيما لا يعنيك، بل كن الكل فيما يعنيك.          
إن أرهقك حٌلمك تخلى عنه، فأنت أهم من الحلم، ويكفي أنه بمقدورك تأليف حلم آخر، كن رحيما بذاتك وعاملها بذوق، أعطها ما تريد إن كنت تستطيع.لا تخشَ شيئًا لأن ما نخشاه يستدل علينا ويحدث لنا، لا تعلق آمالك على الآخرين فقط ثق بالله ، قبل أن تأوي  إلى فراشك إنسَ كل قصائد الصب والجواهر والعمل النقدية ، إزرع فقط وردة واحدة في قلبك ، يقينك بالله، فهو يكفي لتكون أنت أنت. لا تحتاج لأكثر من شيء واحد من كل نوع ترغب به ، رفيق واحد..أم واحدة ..أخ واحد وعطر واحد وعالم واحد.
ولا يلزمك إلا يوم واحد لتكون جيدًا كفاية لتُنهي كل ما أجبرت نفسك على فعله فقط لأن الحياة تتطلب ذلك . لتكن أنت العالم الذي تنشده، لتفاجئ نفسك وتجدها.  كن عنصرًا خاملًا بين المتحركين واستوعب حركتهم. راقب بصمت وتأمل. انتظر فرصتك ، يومك، إلتمع ولو لمرة واحدة وإن كانت أخيرة . حافظ ما استطعت على الخيط الذي يربطك بالبشرية لأنك تشكل عقدة الأمان لمجموعة ما من البشر، كل اضطراب وهلع لحق بنا في زمن ما  كان سببه أنانية  أحدهم ، إما أنه أراد كل شيء أو أنه ترك كل شيء وغاب.
عش نفسك، أضحِك نفسك، أضحَك على نفسك ، عندها ستضحك الدنيا معك .
هل تتخيل ما قد يحدث عندما تضحك الدنيا من أجلك؟ سيقبل البشر أخيرًا أن يتشاركوا في نظم قصيدة واحدة تحكي عن سر الإنسان ، كل إنسان سيكتب بيتًا وسيرسله إليك على هيئة بهجة صغيرة تزين أيامك، ووحدك ستعرف كل الأسرار، وأنت جدير بأن تكتمها وتبتسم، ستصبح في مكانك عاديًا جدًا حد الإختلاف بعد أن سجن الجميع أنفسهم في خزائن الطموح، و سيعرف الجميع قيمتك الجوهرية كصَدَفة مغلقة على لآليء . سيود البقية أن يستعيروا منك لؤلؤا ليبدون أجمل وأسعد وستمنحهم. اعلم وقتها أن دورك قد حان لتصبح نجمًا لأحدهم ، وعليك الاستعداد لعبور سماء حياته بكل ألق وتوهج، لفترة خاطفة كعمر وردة وعميقة كجرح في القلب، نشعر به ولا نصل إليه، لنُطببه.

عامل نفسك على أنك الكون لأنك كون، ونحن نستحق أن تكون معنا بتلك الروعة.

رمقتني بخفة أو هكذا خُيل إليَّ ! كنظرة فتاة لزينتها في المرآة ، وكنت أنا المرآه .

صمتت مريم . أنهت مقطوعتها الموسيقية ، بعد أن سرقتنا في غفلة من قوانين الفيزياء وجعلتنا نسبح في ملكوتٍ أُخر، عدتُ بمسحة من شجن إلى مكاني المادي الذي كنت فيه مجرد شخص بين الحضور،انسحبتْ من المنصة برشاقة غزالٍة، تاركة النور الذي جاءت به خلفها، كانت زيارتها قصيرة وفارقة كوقت الفجر. عادت همهمات الحضور، لكني لحقتها دون وعي ، كنتُ اتبع غطاء شعرها المزين  هوامشه بورق شجر،أدركتُ عندما غابت في زحام الفتيات أنها أصبحت تشبه الأخريات بل كأنها كل الفتيات ، شعرت فجأه أنني فقدت عزيزًا أعرفه منذ أزمان، كانت تلك أول وآخر مرة رأيتُ فيها مريم.
                           

الخميس، 24 ديسمبر 2015

طبيعة صامتة...(2)/ قائمة الأمنيات


والآن ...
من يَذكر الورق الأصفر المُسَّطر بلون أزرق غائم ؟ ومتعة الكتابة بالقلم الأزرق الجاف ؟ رائحة الحبر، عبق الأيام، والزمن يركض على تلك الأسطر التي حوت يومياتنا، واحتضنت قائمة أمنياتنا، والحكاية التي طالتْ لكنها وصلت أخيرًا إلى نهايتها، فانهارَ الأزرق أمطارًا ، وتحولنا بقدرة قادر إلى - طبيعة صامتة-
 نتوحد أمام شاشات باردة، ونكتب بأزرار معدنية، حتى أننا أصبحنا مثقفين كفاية لنعرف المعاني واللغات، المعلومات الطبية والجغرافية، ونحن نجهل المعنى الحقيقي الذي يختبئ في قلوبنا ونتعثر بالجغرافيا التي تقف عليها أقدامنا وتضم أجساد أحبائنا، ونتناسى الحُلم الذي من أجله بدأت يقظتنا.
قل لي ما هي أمنياتك أقل لك من أنت ؟ وإن رغبتَ أن تُعيدَ أصدافَ أيامك إلى شاطئ الطفولة دعني أخبرك بسري المُعلن : تَمنَ ... فالتمني من شيم الأطفال، تمن فأنت بلا أمنيات تحمل وجهًا بالأبيض والأسود . 
لنعود إلى ما قبل البداية، بداية زمنك، أصل الإنسان فيك، عندما كنت شفافًا كبلورة مسك، وكانت أمنياتك هي موطنك الأصلي، مُشتقتك الأولى التي عجز علماء الرياضيات عن الوصول إلى جذرها ...
تفاصيل تبدو تافهة للغير، تشكل كل حياتنا، أحلام ليس لها وزن في الجاذبية، كوَّنتْنا حُبًا على شغف، عطرًا على مطر، لونًا على ورد، وروحًا على جسد. أمنيات جعلت منا نحن، وكل يوم يأتي حاملًا معه هدية مختلفة، نُضمنها باقة أمنياتنا لنغرسها برمح سعفة في جرّة القلب. أمنية جديدة تحولنا من جُرمٍ مُعتم إلى آخر مضيء كوجه البدر ، تحمل شيئًا من أرواحنا وأفكارنا في فترة ما من زمننا.
تقول جوليان مور في Still Alice على لسان Alice المصابة بالزهايمر: " من سيأخذنا على محمل الجد عندما نبتعد جدًا عمن كنا عليه، عندما سلوكنا الغريب وجُمَلنا المُتلعثمة تغير من مفاهيمنا بل ومفهومنا عن أنفسنا، أصبحنا تافهين عاجزين وهزيلين، ولكن هذه ليست شخصياتنا بل مرضنا ".
كذلك نحن، من سيأخذنا على محمل الجد عندما نحل أنفسنا من وعود أمنياتنا البريئة البسيطة التي تمثل حقيقتنا قبل أن نصاب بعدوى التميز، تلك الأمنيات التي ترسم شيئا من ملامح قلوبنا عندما كانت رحبة لتسع الكون بكواكبه ومجراته، أمنياتنا التي تعتقت مع الوقت، حتى أصبحت كأحجارٍ كريمة وحدنا فقط نُدرك قيمتها، وبفضلها أصبحنا مختلفين ونادرين ، لا يهم أن نحققها ، لكننا بحاجة ماسة إلى هالتها، لتُحيط بنا، تحفنا وتهدينا إلى شخصياتنا الحقيقية، الملونه بألوان العُمر ...منذ عهد الأجنّة إلى أن تظهر خطوط الضحك والأحزان !
والآن ...
هل تذكرون الوقت الذي كان طويلا إلى حين ظهور نتيجة الإمتحان، حتى أصبح اليوم قصيرًا ولم تعد أربع وعشرون ساعه تكفينا لصنع بهجة صغيرة، بعد أن حشرنا أعين الآخرين في قلوبنا وكل قلب لا يتسع إلا لزوج عيون تحرسان العطر الذي يخلقه إيماننا بالله من أن ينسكب.
وعندما لا يبق من وقتنا الكثير ستُطوى صفحة الأمنيات ، لكن حياتنا ستكون قد عيشت على النحو الذي رسمناه بفرشاة أمنياتنا مهما كنا عاجزين عن تحقيقها، أو مهما كنا أقوياء وناجحين في تجسيدها، فسنكون قد عشنا العذاب والسعادة، وسنؤول إلى معنى الجمال الذي يمثله وجود الإنسان في أي مكان وفي جميع الأزمنة، سنكون قد قطعنا الرحلة وهبطنا في استراحتنا الأخيرة حاملين مظلات الأمل نرقب حدثًا غامضًا مبهجًا مستحيلًا وبسيطًا كوقفة عصفور على غصن.

أما تلك الخطوط التي تتبدى مع الأيام فوق أجفاننا، فليست مجرد عروق، بل خارطة طريق لأمنيات إنسان، يغمض عينيه كلما تمنى، لينبت ألف عرق، ألف بستان، فقد كان يومًا ما يتمنى.   

الخميس، 5 فبراير 2015

طبيعة صامته ...(1) / كلمات

لو كانت الكلمات أزهارًا، لكانت كلمة (أمي) زنبقة بيضاء، لكانت (الوداع) أقحوانة يابسة، لكانت (الصبح) فُلّة على ناصية الفجر.
تقول الدراسات-التي يكرر فيها الباحثون ما تعلمنا له الحياة- أن البشر الذين يستمعون إلى كلمات طيبة، هم الأكثر سعادة وأقل عرضة للموت المفاجئ، لكن ما لا يخطر على بال العلماء أنّ الذين رحلوا بسبب الموت المفاجئ، قد يكونوا أكثر البشر قولًا للكلمات  الطيبة ، لكن أقلهم استماعًا لها، وأنّ تبادل الكلمات الطيبة هو ما يجعل الحياة محتملة وربما جميلة مهما كانت مدتها، لأن الأصل في اللغة هو التواصل.
في امتحان المرحلة الابتدائية، سؤال، ضع الكلمة المناسبة في الفراغ : (.....) تحيط بها المياه من أربع جهات.لتجيب زميلتنا فاطمة (السمكة)، تلك الإجابة والتي لا يوجد سبب يجعلها خاطئة كانت محل تندر من المعلمة التي قررت الجهر بها، كانت الإجابة الصحيحة هي (الجزيرة) ، في ذلك الوقت ضحكنا كثيرًا ..جميعنا.
كبرنا، وأصبح معظمنا ( فاطمة) نبحث عن الكلمات المناسبة لنضعها في الفراغات، لكنّ إجاباتنا غالبًا خاطئة، ربما لأننا حالمون أكثر مما يلزم، ومازالت رُؤانا تصفر من الفراغات.
 
كلمة واحدة،قاسية، قد تخل باتزان رئتنا، فيميل معها قفصنا الصدري، تكسر ضلعًا وتشرخ آخر،وإنْ جُبر يبقى لأزمان ألم طفيف يلكزنا لحظات ونعود بعدها لعالمنا الداخلي.
وبعيدًا عن أسفار الروح،هنالك الكلمة المختومة على ورق جاف كرياح السموم، راسب، غير معتمد، مرفوض، تؤجل حلمًا وتنهي آخر، تحولك من مشروع كائن إلى آخر.
 
وكأنّ هناك من قدم عرضًا للبشر فيمَ أنت نائم، أنّه كلما جفوت بالكلمات زاد رصيدك المصرفي!. إنّ جفوة الكلمات ليست في غياب الصوت أو الحروف، بل في غياب الكلمة المُنتظرة، التي تُعيد توزيع إيقاع حياتنا، تلهمنا، تُعيننا، تمنحنا نظرة أخرى و مدًى وجوديًا أرحب،  كما قال (أدونيس) : قل كلمة وامض...زد سعة الأرض.
الرسائل الصوتية التي تظهر في مشاهد أفلام الأبيض والأسود، تلك التي تُسَجل على شريط (كاسيت)، ويرسلها البعيد إلى أحبائه، كانت تحمل هذا المعنى الفريد، الذي يُعطي بعدًا آخر للشوق والانتظار وربما الأمل. كلمة إثر كلمة ...بنبرة المُرسل واختلاجاته تُعمّر طريقا بإتجاهين، طريقا من المشاعر بين المغترب ودياره، كلمة بمثابة وعد أخضر.. وردة .. قصيدة ... قمر يُحيل الليالي الحالكة إلى لوحة ليلكية. لكنْ ليس شريط (الكاسيت) وحده الذي لم يعد موجودًا، بل المُنتظر، المُستمع ...أيضًا غاب خلف غابة الشاشات.
 
لكنها لحظة هامة تلك التي نعي فيها أنّ الكلمات لم تعد تشكل أي فارق في مجرى حياتنا، وأننا فقدنا بتلات اللغة، فلا بلاغتنا تسعفنا للتعبير عن ما بداخلنا، ولا الآخر مازال يحتفظ  بقلبة الذي كان بيتًا، كان حقلًا، فانطفأ بريق الكواكب الصغيرة السابحة في فضاء مقلتيه، تلك التي كانت تتلألأ عندما نقول مفرداتنا المألوفة.
 
وبعد كل ذاك، نختار وبملئ إرادتنا أن نظلم إنسانيتنا .. فنستحيل إلى -طبيعة صامتة- ، نركن للسكون والصمت الغير جميل،لنزيد من تعداد البشر الذين يصفهم المراهقون بالمُملين، نتكور بعيدًا في عمقنا ونغلق علينا الأبواب كأجنّة حديثة ليس لها سوى الإنصات إلى تلاوة قلوب أمهاتها، ليبقى نبض الأم هو ذكرى الصوت الطاهر.. .الكلمة  الوحيدة التي بقيت على العهد ولم تخن وجودنا.
 
أما كلماتنا الجميلة التي لم ولن تُقال فإنها ترحل إلى بيادر القلب، هناك ... حيث تتعتق، وتصبح أعشابًا عطرية جافة يذكرنا عبقها بين شجن وآخر بكلمة عذبة كنا نود قولها، لكننا عجزنا أن نقولها كما يجب، ففضلنا الصمت.
أو قد تصبح كائنًا آخر، بخواص جديدة، يُسمى دموع، كما قال أحدهم :( إن الدموع هي الكلمات التي ليس بمقدور الشفاة أن تقولها ولا القلب أن يكشفها).

نأخذ قراراتنا في صمت، ونغادر في صمت، تاركين خلفنا ضوء منازلنا، آنيات زهورنا، ولا ننسى تجديد اشتراكاتنا في الصحف الدورية، وكأننا موجودون حقًا، أو لعلنا موجودون لكن بلا كلمات.    
              

الجمعة، 1 أغسطس 2014

مُنمنمات القلب

.
تعلمتُ أنّ دمعة قد تغير مصير إنسان، وأنّ الأفراح كالنجوم ... تقطع مسافة طويلة لتصل إلينا، وعندما تصل تصبح شيئًا من الماضي، لذا آن للوقت أن يأخذ طريقه في قلبي دون عناد أو اعتراض، كالعمر الجاري وضفتيه هما الأمس والغد. 
   
واليوم ، أجد أن كل ذلك الزمن الذي عشته قد ترك منمنماته في قلبي، تمامًا كما كان للآخرين منمنماتهم لكنهم يدعونها ندوب.
هي لوحات معقدة وخارطة دقيقة لمعالم حياة إنسان بذلت الأيام جهدًا في رسمها، إنها سلسلة لنسخ غير معدلة من حوادث مررنا بها فلم تعد بعدها حياتنا كما كانت ، ذكريات لوقائع خلقت ذائقتنا الخاصة في أسلوب الحياة و نمط العيش، فلو كان يصدر مع البشر دليل إرشادي لإنجاح علاقة ما أو المحافظة عليها وربما الإطالة في عمرها لكان عنوان هذا الدليل "منمنمات القلب" . ولو كنا على دراية بالجروح التي مر بها الذي أمامنا لشذّبنا كبرياءنا معه ، وربما قدمنا له غيمة سلام ولو كانت من دموعنا !
لكن ...مقولة دي ستايل  "لو عرفت كل شيء لعذرت كل فرد"  تبقى مجرد حكمة يرددها زاهد .
لذا لا تسل إنسان عن سر حزنه ... فهو سر !
هل نحن حزانى بالفطرة ؟
قرأتُ ذات مرة أنه على اعتبار أن أرواحنا تسكن كون صغير يُدعى جسد، وأن الماء في هذا الجسد يتأثر بدورة حياة القمر، فنزداد حزنًا عندما يكتمل ضياءة ويصبح بدرًا وهو أجمل منازل القمر...هذا ما قرأته، لابد أننا أيضًا كلما اكتمل القمر وازداد حزننا توهج جمالنا، لذا نحن حزانى وجميلون بالفطرة  أيضًا...هذا ما اعتقده.
هل كل جميل يبقي كذلك ؟
في صغري كنت أستحي التحديق في الوجوه الجميلة، ولا أدري لماذا، وفي المقابل كائنات لشدة بشاعتها أغمض عيني خوفًا من النظر إليها بل أضع كفيي على وجهي لكيلا تتعرف على ملامحي وتسرق شيئًا من براءتي، وفي النهاية  كانت ردة الفعل واحدة  اتجاه الجمال والقبح ، وهي عدم أطالة النظر .
اليوم عرفت أن جمال الوجوه قد يكون قبحًا لكن في -رواية أخرى-، لمن لا يخشون الإبحار في لجى الأرواح، بينما البشاعة قد تكون قناعًا لبشر أُهملوا إنسانيًا ولم  يُمنحوا من هدايا الفؤاد ، كـ غيمة السلام تلك ... ورقة شجر ... أو ليمونه بلون الشمس ، ليأنسوا ويتذكروا أن هنالك من ينتظر معهم الغد.
وكم انتظرنا الغد ؟
أحيانًا أخاف من المطر، من الورد، من عبارات رقيقة كـ ( فداعة الله) ( أشوفكم على خير) أو حتى (سي يو) ، ذات مرة وفي آخر العام الدراسي قالت لنا أستاذة ميمونة معلمة اللغة الانجليزية : ( عقبال تحقيق الأماني) ... وكأنها قالت الوداع !
إن هذا الحب الإنساني الخالص والنبيل لا يأتي إلا من إنسان لن تراه مرة أخرى، ولو أقحمت نفسك ضمن مجموعة من البشر لا تربطك صلة بهم لكن تربطهم صلة وثيقة ببعضهم البعض، وكان هذا لقاءهم الأخير لعرفت بذلك دون أن يخبرك أحد، سيدلك على ذلك شيء غامض يستقر في أعلى الحنجرة تشعر به على هيئة غصّة  تذكرك بتجربة وداع مررت بها في ماضيك . 
  
ثم ماذا سنفعل بدون أماني لا تتحقق ؟!، إن أجمل ما في الحياة أننا جئنا دون أن ندرك أنها البداية. فجأة وجدنا أرواحنا تشغل أجسادًا جميلة، مُنعمّة بطين الوجود، ثم نغادر ونحن لا نعي أنه اليوم الأخير. هناك صبح أول وصبح أخير في حياة كل منا، والأماني التي لا تتحقق هي الضحى وقبل المساء والمساء وجوف الليل وأول الفجر...الأماني التي لا تحقق هي الوجود كله حينما نكون موجودين حقًا...إذا ما سنفعل دون أماني لا تتحقق ؟ 
من الأماني التي لن تتحقق،  أن يستقل جميع البشر...سيارات من نفس الطراز وبأحجام صغيرة ، فكم أحبُ السيارات الصغيرة لأنها تذكرنا بأحجامنا الحقيقية وكيف نبدو متشابهين على الطريق لولا قلوبنا فهي علامتنا الفارقة، هناك حيثُ وُشِم  كل قلب بنقش خاص لا يتكرر كبصمة العين.
والعين شباك يطل على الكون، فرغم اجتهاد علماء الطاقة في شرح نظرية الهالة التي تحيط بالإنسان ودورها في التجاذب والتنافر بين البشر، وكيف أنها تكشف الحالة النفسية والصحية للفرد إلا أن العين وببساطة هي كل شيء في هذا الأمر، العين هي الاختصار والتفصيل،
وشخصًا لم تر عينيه لا تأمنه ولا تعطه وعدًا ولا عهدًا، لذا بقيت العين حتى الآن هي وسيلة الاتصال الوحيدة الخاصة بي .
ثم إن لكلِ قلب منمنماته ... 

الأربعاء، 2 يوليو 2014

السفر على متن طائرة ورقية

.
في الربيع من عمره، يرتاد مدرسة عامة تُدعى ( الحياة )، يطلب منه أحد معليمه فروضًا عسيرة على الأمل، منها أن يختار إنسانًا واحدًا كعنوان للبشرية جمعاء...فهل يجد ؟ أن يُسمي فعلًا واحدًا يلازم الإنسان من مرحلة الجنين إلى ما قبل الرحيل الأبدي.
في المساء، يمشي وحيدًا  مع الأعزاء على ساحل البحر، ساحل العمر ، يبتسم لوعد موجة قادمة من خلف البحر، هناك حيث نعتقد في فترة ما من حياتنا أن شيئًا ما خلف البحر ينتظرنا . سرعان ما تُلوح موجته مودعة مُتراجعة.
 
(افتقدني) ..يختار فعل الأمر هذا كإجابة على فرضة الأخير، يسافر عن الأعزاء ، يتذكر طفولته ، شفافية الدهشة والعالم الذي كان شيقًا وكبيرًا، الأشياء في بيته كانت هائلة أمام أصابعه الصغيرة ...والداه ...أخوته ... خشب سريره المزين بألوان الرمان وورق الغار، أين هم أحباء قلبه الآن ؟ أين سريره العظيم الذي حماه من أخطار الكون ... أين قلبه المكلل بالأماني والورد ؟ يعود ويؤكد على اختياره ( افتقدني) كإجابة على فرضه .
 
اليوم يعيش الخريف ، يجلس وحيدًا على مقعد في حديقة عامة، في بلد غريب، يده تستند على كتاب مفتوح على الصفحة الأخيرة ، يرسل عيناه في زحام الوجوه، يترك قلبه مع موسيقا البشر ، يبحث عن علامته الفارقة  لزمانه ومكانه ، يبحث عن شيء مفقود لكنه لا يعرفه، شيء نفيس كان يمتلكه وأضاعه بين أجندات الواقع والأحلام ، يتمنى لو أنه أحضر معه قلمًا ليرسم على تلك الصفحة..قارب ، بحر.. ونورس يؤنس وحدة الشراع .
 
يُبصر طفلة تُطير طائرة ورقية ، ومعها ترفرف عيناها العذبتان كجناحي يمامة، مجددًا يسافر على متن طائرتها الورقية ، يُجاور سحابة تحمل مطرًا ، يُرجح أنه كان في عينيه دمعًا يوماً ما ، يوم كان يبكي على أحزان بشر يعرفهم فقط من نشرات الأخبار .
 
كم أحب المطر ؟ وكم  يستهويه شعور ما بعد سقوط المطر؟ فحتى الغريب عندما يحل على بلد يدرك أن هذا الوقت هو ما بعد سقوط المطر، مطر يعطر المكان برائحة ( الأخضر ) ويغلف الروح بغلالة قمرية سماوية، يدرك حقائق لم تدونها الموسوعات العلمية منها أن ملامح البشر تأخذ شكل دمعة ... قطرة ...عندما يتأملون هطول المطر، تتوحد حواس المتضادين، بل تتوحد حواس الإنسان الواحد، يتشابه القوي والضعيف السعيد والشقي ، يصبح الجميع طفلاً  اسمه طُهر، نسغ بارد يتسلل إلى القلب .... مطرٌ في القلب إذا !
 
يُفكر في أشجار الحديقة وأشجار الشوارع، هو ومنذ زمن أختار أن يُصادق أشجار الطرقات، رغم الزحام من حولها تبدو وحيدة أبدًا ، لا أرجوحة...لا حكايات تُخيم أسفلها، لاوجود للإنسان، ذلك النوع من أصحاب القلوب المطيرة ، عوملت على مر الأزمان كجمهور أنيق لثنائية المساء والصبح . يتأمل أغصانها، توحي دومًا أنها مستعدة لاحتضان قبائل عصافير، أضلعه هي الأخرى كانت أغصان ريحان تعبق شغفًا للقادم  .
 
مرت في خاطره عبارة سمعها في دراما تلفزيونية تحمل عنوان ( أوبرا عايدة ) : ((  هو انته ليه غاوي دايما تلعب دور الإنسان ؟ ))، هو أيضا عشق أن يعيش دور الإنسان لكنه يدرك أنه شارك في فشل جماعي .

يجلس في المقهى مع الأعزاء ، أعزاء آخرين ، يسافر على كثيب طاولته الخشبية ، المرصعة بفناجين قهوة بتوليفة اليوم والأمس، الثرثرة والصمت  يرحل مجددًا مع أشعة الضوء المتسللة من حواجز الأرابيسك متخذه أشكالها الهندسية، ماذا لو كان ضوء أرواحنا ينعكس للخارج ...ماذا سيكون شكل روحي ؟ يتساءل .

ينظر من النافذة للخارج ، سيدة تبدو كشجرة ، تحاول أن تخلق فرصة لتعبر الشارع ، كم فرصة فوتت بسبب حذرها ؟ لابد أن هنالك من ينتظرها، هي تشكل فرقًا كبيرًا وحاسمًا في زمانها ومكانها ، لأعزاء آخرين لا يعرفهم هو، ربما لم ترد سيرتهم كخبر في جريدة، أو لم يحققوا رقمًا قياسيا لتضمهم موسوعة جينيس! حتمًا كانوا مشغولين بترتيب منزل صغير أوتسجيل ضحكة طفل للذكرى ،يعود ويكرر هؤلاء  هم من شكلوا فرقًا ، لذلك لم يعرفهم ولم يلتق بهم  في مقاعد الحدائق ولا أسفل فيء شجرة طريق، أخيرًا عبرت السيدة وخلفها ينعكس ضوء روحها متخذًا هيئة شجرة لوز .

يعود.. ويسأل أحد أعزاء المقهى : ماذا لو كنت الناجي الوحيد ... أتفرح ؟